الرئيســـــــية اتصــــــــل بنا عن دار بابل البريد الالكتروني  
 
 
 
ترجمــــة أخبــــار خاصـــــة قضــــايا عــراقيــــة حقوق العراق السياسية والانسانية ملــفــات خاصــــة قضايا منوّعة الاخبــــــار
   برلمان العراق يصادق على قرار معاملة الأميركيين بالمثل ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: العراق يطرح سندات بمليار دولار، والضمان أميركي ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: احتياطي العراق الأجنبي يفقد 21 مليار دولار في ثلاث سنوات ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيف تم قتل 1000 جندي امريكي في السجون الكورية بدون اطلاق رصاصة واحدة ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيسنجر وشبح الفوضى في الشرق الأوسط ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: موسكو: “داعش” يصنِّع أسلحة كيميائية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: إنها أكبر... إنها أخطر ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: روسيا توسع قاعدة المشاركة لتخفيف العبء على السعودية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: «الناتو»: الساحل السوري ثالث قبّة محصّنة لروسيا في العالم! ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: الاعتقال العشوائي في العراق: أرقام مرعبة :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::  
 
قضايا منوّعة  

الحــضـــــــارة والثقــافـــــة


الكاتب :


مقـــدمـــــــــــة
أ- معنى الحضارة: «الحضارة» في اللغة وكما ورد في "لسان العرب" : «الإقامة في الحَضَر… والحَضَر والحَضْرة والحاضرة: وهي المدن والقرى والريف». إذن، حين تُذكر الحضارة في اللغة فإنّه يقصد بها سكان المدن والقرى.
إلاّ أنّ هذا المعنى هو المعنى اللغويّ للكلمة. والمعنى اللغويّ هو غير المعنى الاصطلاحيِّ ولو كان ذا صلة به. ومرادنا في هذا البحث الوقوف على المعنى الاصطلاحيِّ للحضارة. وهذا يتطلب منّا الرجوع إلى نشأة ذلك المصطلح.
أوّل من توسّع في الكلام عن الحضارة والتفريق بينها وبين البداوة هو "عبد الرحمن بن خلدون"(ت 808 هـ ـ 1388م)، الّذي يرى أنّ الناس حصلوا على الغنى والرفاهية، وتنوع لديهم المأكل والملابس والتأنُّق فيها وتوسعة البيوت واختطاط المدن. وازدادت حالة الرفاهية وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها الحرير والديباج والانتهاء في الصنائع. وهؤلاء هم الحضر، ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان».

مفاهيم وتعاريف للحضارة والثقافة
والمدقِّق في كلام الفيلسوف العربي "ابن خلدون" يجد أنّ كلمة "الحضارة" عنده لم تخرج عن معناها اللغويّ. وكلّ ما كان منه أن توسّع قليلاً في شرح حال أهل الحضر أو المدن والتمييز بينهم وبين البدو أهل البادية.
والواقع أنّ نشأة المعنى الاصطلاحيّ للحضارة إنّما تعود إلى الدراسات الأوربّيّة، وذلك لعدّة قرون خلت. وذلك من خلال استخدام العبارة "Civilization" الّتي ظهرت تحمل مدلولات معيّنة، ثمّ طرأت التعديلات والتبديلات على ذلك المصطلح، حتّى وصل إلى ما استقرّ عليه اليوم من معنى.
«ظهرت كلمة "Civilization" بالفرنسيّة سنة 1734، وأصلها واضح : فهي تنحدر مباشرة من صفةCivilisé (متحضِّر) في القرن السابع عشر». وفي هذه الحقبة استُخدمت هذه الكلمة -ومعناها في العربيّة مدنيّة أو حضارة– للدلالة على صفات أهل المدينة، وللتفريق بينهم وبين من هم خارجها من أهل الغابات والبدو والبراري، «وحالة التحضُّر والمتحضِّر، جملة الصفات المكتسبة خارج الطبيعة، وهي أخيراً مجموع الظواهر المميِّزة للحياة في هذا العالم الخاصّ المتطوِّر الّذي بناه الإنسان المدنيّ». وإذا دقّقنا في هذا المعنى سنجد أنّه لا يختلف كثيراً عن المعنى الّذي أراده ابن خلدون في مقدّمته.
ولكنّ هذا المعنى أخذ يتغيّر، حين انتشر المصطلح في اللغات الأوربّيّة الأخرى وصار يعني «مجموعة من الخطط والنظم لإشاعة النظام والسلام والسعادة، وبتطوّر البشريّة الفكريّ والأدبيّ، ولتأمين انتصار الأنوار »، والأنوار في مفهوم مفكِّري القرن الثامن عشر الأوربّيين هي الثقافة الأوربّيّة والمفاهيم الجديدة الّتي أحدثتها الثورة الصناعيّة. «ففي ذروة العصر الّذي كان الأوربّيون يهيمنون فيه على العالم فكريّاً وسياسيّاً جرى تصوّر الحضارة بصيغة المفرد»، أي ما يتميّز به المجتمع الأوربّي من خصائص.
إلاّ أنّ المفكِّرين والكتّاب الأوربّيين – ولا سيّما المؤرِّخين منهم- بدأوا منذ القرن التاسع عشر يستخدمون هذا المصطلح –civilization– للدلالة على ما تملكه أيُّ أمّة من الأمم من خصائص تتميّز بها عن الأمم والشعوب الأخرى. وهكذا بدأ الكلام بينهم عن "الحضارات" بدلاً من الحضارة الواحدة. فممّا يقوله مثلاً "نيقولاي دانيليفسكي" الروسي (1822-1885): «ليس هناك حضارة واحدة، وإنمّا هناك طُرز أو عدد من الحضارات لكلّ منها خصائصها ومميِّزاتها. والتاريخ البشريّ في مجموعه لا يسير في خطّ مستقيم يتّبع اتّجاهاً واحداً ونزعة بذاتها، وإنّما هو في الحقيقة مكوّن من حركات مختلفة الاتّجاهات تتبع خطوطاً متباينة وتكشف عن وجهات أو قيم كثيرة من الحضارات المختلفة. ولكلّ حضارة قيمها الخاصّة». ويقول "موريس كروزيه": «أمّا أن نكون أمام حضارات متعدِّدة لا حضارة واحدة ليس بينها ما يدّعي الرئاسة المحتومة، فهذا أمر مسلَّم به اليوم بين علماء الأجناس البشريّة والمؤرِّخين والعلماء الاجتماعيّين، إذ يقرُّ هؤلاء بالإجماع أنّ لكلّ جماعة بشريّة على شيء من النظام، حضارتها الخاصّة، حتّى أنّ للأقوام المتوحِّشة حضارتها الخاصّة بها. كذلك من الأمور المسلّم بها اليوم عدم الأخذ بالنظريّة الضيّقة الّتي تقول بتاريخ واحد للحضارة».
وهكذا نرى أنّ هذا المصطلح تبدَّل من الدلالة على مواصفات أهل المدينة الخُلقيّة والاجتماعيّة والشكليّة وأساليب عيشهم والفرق بينهم وبين أهل الأرياف والغابات إلى الدلالة على مميِّزات الأمم والدول المنظَّمة ذات الثقافة العالية والعلوم المزدهرة –وهو مفهوم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لدى الدول الأوربّيّة– ثمّ أخيراً للدلالة على أنماط المجتمعات الّتي شهدها التاريخ البشريّ، بصرف النظر عن مدى ثقافتها وعلومها، حتّى إنّ الأقوام المتوحّشة لها حضارتها الّتي تصوغ عيشها.
من خلال ما سلف من البحث، ووفق ما استقرّ عليه مصطلح "الحضارة" من معنى، يظهر ارتباط واضح بين "الحضارة والمجتمع". فالحضارات متعدّدة بقدر تعدّد المجتمعات. والحضارة ما هي إلاّ نمطُ عيشِ مجتمع من المجتمعات، ولولا ذلك المجتمع لما أمكننا التحدّث عن تلك الحضارة. "فالحضارة اليونانيّة" ما هي إلاّ عبارة عن هويّة المجتمع اليونانيّ، و"الحضارة المصريّة" القديمة ما هي إلاّ تعبير عن هويّة المجتمع المصريّ القديم، و"الحضارة الإسلاميّة" ما هي إلاّ عبارة عن هويّة المجتمع الإسلاميّ وحضارات وادي الرافدين والصين والرومان وأمريكا اللاتينية… وهكذا. فها هو المؤرِّخ البريطانيّ الشهير "أرنولد توينبي" يرى أنّ التاريخ البشريّ تاريخ حضارات، وفي الوقت نفسه يراه تاريخ مجتمعات.
ويقول "رالف لنتون":«من الأمور ذات الدلالة الخاصّة أنَّ اصطلاحَي حضارة ومجتمع يُستعملان كمترادفين في غالب الأحيان... فالمجتمع عبارة عن مجموعة منظّمة من الأفراد، والحضارة مجموعة منظّمة من الاستجابات الّتي تعلّمها الأفراد وأصبحت من مميِّزات مجتمع معيّن».
إلاّ أنّ هذا المصطلح لم يكن محلّ وفاق لدى جميع المفكِّرين والمؤرِّخين الغربيّين. وسنجد أنّ هناك اصطلاحاً آخر سيزاحمه في مدلوله أو بعض مدلوله على الأقلّ، أعني به المصطلح"culture"، وترجمته اللغويّة إلى العربيّة: "الثقافة"، وإن تُرجم بوصفه اصطلاحاً بواسطة عبارات أخرى.
ففي الوقت الّذي اصطلح فيه معظم المفكِّرين الغربيّين على استخدام عبارة "Civilization" للتعبير عن مميّزات مجتمع أو أمّة من الأمم وخصائصها الفكريّة والتشريعيّة والروحيّة والتقنيّة… فضّل بعضهم –ولا سيّما الألمان– تخصيص هذا المصطلح «بالمجتمعات الّتي بلغت مرحلة التنظيم الحضريّ والكتابة». ومن هؤلاء "ألفرد فيبر" الّذي يطلق مصطلح "Civilization" على «نموِّ فروع المعرفة وتقدُّم سبل السيطرة على القوى الطبيعيّة، ذلك التقدُّم المتماسك الّذي له نظام منتظم ينتقل من شعب إلى آخر»، ويفرّق بين هذه الظاهرة والظاهرة الّتي يصنِّفها تحت اسم "Culture" الّتي «لا تسير في خطٍّ واضح المعالم كما تسير عمليّة المدنيّة». وهكذا يحلّ المصطلح "reCultu" (بالألمانيّة Kultur) لدى هؤلاء العلماء محلَّ المصطلح "Civilization" للدلالة على نمط العيش في مجتمعٍ ما، والّذي هو في نظر "إدوارد تايلور" «ذلك الكلّ المعقَّد الّذي يشتمل على المعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقوانين والتقاليد والفلسفة والأديان وبقيّة المواهب والقابليّات والعادات الّتي اكتسبها الإنسان من مجتمعه الّذي يعيش فيه». وهو في رأي "كلايد كلوكهون" «مجموعة طرائق الحياة لدى شعب معيّن، أي الميراث الاجتماعيّ الّذي يحصل عليه الفرد من مجموعته الّتي يعيش فيها، أو هي الجزء الّذي خلقه الإنسان في محيطه وهي الّتي تحدّد الأساليب الحياتيّة، أو هي طريقة في التفكير والشعور والمعتقدات، إنهّا معلومات الجماعة البشريّة مخزونة في ذاكرة أفرادها أو في الكتب أو في الموادِّ والأدوات». «وخلاصة القول: يُلاحظ أنّ هناك تداخلاً كبيراً في تناول الفكر الأوربّي لمفهوم "Civilization"، فهناك من جعل المفهوم مرادفاً لمفهوم "Culture" مثل تايلور، وهناك من جعله قاصراً على نواحي التقدّم المادّيّ من آلات ومؤسّسات واختراعات… وهناك من جعله شاملاً لكلّ نواحي التقدّم. وهناك من قصر المفهوم على نواحي التقدّم الخاصّة بالفرد، وهناك من رأى أنّها تشمل الفرد والجماعة، وهناك من رأى أنّها مفهوم عالمي –أي أنّ هناك "Civilization" واحدة دائماً وأنّ كلّ المجتمعات تساهم فيها بنصيب ما– أمّا "Culture" فهي خاصّة بكلّ شعب، وهناك من رأى العكس».
وهكذا نرى أنّ هذين المصطلحين تزاحما في الثقافة الأوربّيّة للدلالة على معنى مشترك إلى حدّ كبير، وهو مجموعة الخصائص الفكريّة والتشريعيّة والشعوريّة الّتي يتصف به مجتمعاً ما بنمط معيّن من العيش. وقد حرصتُ على إيراد هذين المصطلحين (Civilization و Culture) باللغات الأوربّيّة لأنّه لم يكن هناك اتّفاق بين الكتّاب والمؤلِّفين العرب على وجه ترجمتهما. وهذا ما يدفعنا الآن للانتقال إلى وجوه استعمال تلك المصطلحات في الثقافة العربيّة المعاصرة.
فبينما تزاحم هذان المصطلحان في اللغات الأوربّيّة، نجد في الكتابات والمؤلَّفات والترجمات العربيّة ثلاثة مصطلحات تقوم بهذا الدور، ألا وهي : "الحضارة والمدنيّة والثقافة".
فها هو جورج حدّاد يضع العبارات الثلاث مقترنة في محاولة لتعريفها، فيقول: «الحضارة والمدنيّة والثقافة: إنّ كلمة "حضارة" أو "مدنيّة" مشتقَّة بالأساس من الحضر ومن حياة المدينة وهناك كلمة باللغات الأجنبيّة لها مفهوم يقرب من مفهوم الحضارة وهي "culture" (Kultur بالألمانيّة) وترجمتها بالعربيّة هي الثقافة، ومعناها أوسع، ويفهم منها الطريقة الّتي بموجبها يعيش الشعب ويفكّر وكثيراً ما تستعمل كلمة "Culture" للدلالة على الحضارة والمدنيّة في اللغات الأجنبيّة، ولذلك قلنا إن كلمة "ثقافة" لا تكفي لترجمة معناها».
فمصطلح "civilization" ترجم في أغلب الأحيان إلى العربيّة بعبارة "حضارة". فكتاب "ول ديورانت" الّذي يحمل اسم "The story of civilization" ترجم إلى العربيّة تحت عنوان «قصّة الحضارة»، وعُرِّب المصطلح إلى كلمة "حضارة" في معظم موارده. وكذلك الأمر في معظم ترجمات الكتب الّتي تحمل ذلك العنوان وتُرَدِّد تلك العبارة، ولا سيّما حين تكون تلك الكتب متخصِّصة في موضوع المجتمعات البشريّة التاريخيّة منها والمعاصرة.
إلاّ أنّ بعض الكُتّاب العرب المتأثِّرين باصطلاح الألمان ومن هم على نهجهم، يترجمون كلمة "Civilization" بكلمة "مدنيّة". فها هو "إحسان محمّد الحسن" الّذي ترجم «معجم علم الاجتماع الّذي حرَّره البروفسّور دينكن متشل» يعرِّب المصطلح " Civilization" بعبارة "المدنيّة".
أمّا المصطلح "Culture"، فغالباً ما تُرجم باستخدام كلمة "الثقافة"، وهي الترجمة الّتي تراعي المعنى اللغويّ لا الاصطلاحيّ. إلاّ أنّ كثيراً من الكتّاب المعاصرين يرون أنّ كلمة "ثقافة" لا تفي بمعنى المصطلح الغربيّ "culture" –كما مرّ معنا سابقاً في كلام جورج حدّاد– لذلك تُرجمت "Culture" إلى العربيّة بـ"حضارة".
«برز استخدام اللفظ العربيّ "حضارة" مقابل اللفظ الإنكليزيّ "Culture" في كتابات علماء الاجتماع والأنتروبولوجيا العرب في ترجماتهم للمؤلَّفات الأوربّيّة في هذين الحقلين، ومن ثَمّ فقد شاع الحديث عن مفهوم الحضارة، والمقصود به الـ "Culture" في المدلول الأوروبّي. فنجد مثلاً الّذين ترجموا كتابات كلايد كلوكهون ورالف لنتون ولويس مورغان وجوردن تشايلد…إلخ استخدموا في ترجماتهم لفظ حضارة كترجمة لـ "Culture" ويُلاحظ أنّ هؤلاء المترجمين عندما يتعرَّضون للّفظ الأوربّيّ "Culture" يطلقون عليه اللفظ العربيّ "المدنيّة"».
وأيضاً "إحسان محمّد الحسن" مترجم معجم علم الاجتماع لدينكن متشل يعرّب مادّة "Culture" تحت عبارة "الحضارة". وهكذا تزاحمت العبارتان "الحضارة" و"المدنيّة" في الكتابات العربيّة المعاصرة للدلالة على معنى واحد أو على معان متداخلة. فيقول "جميل صليبا" مثلاً في معجمه الفلسفيّ: «الحضارة بمعنىً ما مرادفة للثقافة. إلاّ أنّ هذين اللفظين لا يدلاّن عند العلماء على معنى واحد، فبعضهم يطلق لفظ الثقافة على تنميّة العقل والذوق، وبعضهم يطلق لفظ الثقافة على مجموع عناصر الحياة وأشكالها ومظاهرها في مجتمع من المجتمعات. وكذلك لفظ الحضارة، فإنّ بعضهم يطلقه على حالة من الرقيّ والتقدّم في حياة المجتمع بكاملها. وإذا كان بعض العلماء يطلق لفظ الثقافة على المظاهر المادّيّة، ولفظ الحضارة على المظاهر العقليّة والأدبيّة، فإنّ بعضهم الآخر يذهب إلى عكس ذلك … .















الفصل الأول
الحضارة والمدنية والثقافة
يستفاد من النصوص السابقة أنّ "الحضارة" –سواء اعتبرناها ترجمة لعبارة Civilization أو لعبارة Culture الأوربّيتين ووفق المعنى الّذي استقرّتا عليه– يراد منها التعبير عن طراز العيش الّذي يسود مجتمعاً من المجتمعات، أي هويّة ذلك المجتمع. وعلى حدّ تعبير "رالف لنتون" «فالمجتمع عبارة عن مجموعة منظَّمة من الأفراد، والحضارة مجموعة منظَّمة من الاستجابات الّتي تعلَّمها الأفراد وأصبحت من مميِّزات مجتمع معيّن». وواضح للعيان تاريخاً وحاضراً أنّ لكلّ مجتمع طريقة في العيش تميّزه عن سائر المجتمعات تجعل منه جماعة بشريّة ذات شخصيّة معيّنة ونمط متميّز وهويّة خاصّة هذه الطريقة من العيش الّتي تميّز مجتمعاً عن آخر هي ما يعبَّر عنه "بالحضارة". لذلك لا بدّ من أجل الوصول إلى "تعريف الحضارة" من معرفة العوامل الّتي تجعل للمجتمع طريقته الخاصّة في العيش، وتميّزه عن سائر المجتمعات.
من المعلوم أنّ المجتمع هو مجموعة من الناس تؤلِّف بينهم علاقات مستمرّة، بها يقوم ذلك المجتمع وبتميّزها يتميّز، أو على حدّ تعبير "توينبي" « إنّ المجتمع البشريّ هو في ذاته نظام للعلاقات بين الكائنات البشريّة ». وهذا النظام الّذي يربط الأفراد فيشكلّ المجتمع إنّما هو مجموع ما يحمله هؤلاء الناس من أفكار ومشاعر وما يرعى شؤونهم من تشريعات وقوانين. فسلوك الإنسان وعلاقاته مع الآخرين إنّما تتحكّم بها مفاهيمُه الّتي هي مزيج من الفكر والشعور، كما أنّ التشريعات الّتي تقوم السلطة على رعايّة شؤون المجتمع بها، تتحكّم إلى حدّ كبير بعلاقات المجتمع، وبالتالي تؤثِّر إلى حدّ بعيد في نمط العيش فيه.
وبناء عليه فإنَّ المجتمع هو «مجموعة من الناس تربطهم أفكار ومشاعر وأنظمة»، وإنّ هذا المجتمع يصنَّف بحسب هذه المنظومة من الأفكار والمشاعر والأنظمة، فإن كانت إسلاميّة مثلاً كان إسلامّياً، وإن كانت ليبراليّة كان ليبراليّاً… وهذه هي عين الحضارة. فالحضارة والمجتمع على حدّ تعبير "رالف لنتون" «يتّصلان ببعضهما عن طريق الأفراد الّذين يكوِّنون المجتمع ويفصح سلوكهم عن نوع حضارتهم» .
يقول "صامويل هانتغتون" :«فما الّذي نعنيه عندما نتحدّث عن حضارةٍ ما؟ إنّ الحضارة هي كيان ثقافي. فالقرى والأقاليم والمجموعات الإثنيّة والقوميّات والمجموعات الدينيّة لها جميعها ثقافات متميِّزة… وهكذا فإنَّ الحضارات هي أعلى تجمُّع ثقافيّ للناس وأوسع مستوى للهويّة الثقافيّة للشعب ولا يسبقها إلاّ ما يميِّز البشر عن الأنواع الأخرى. وهي تحدَّد في آن معاً بالعناصر الموضوعيّة المشتركة، مثل اللغة والدين والتاريخ والعادات والمؤسَّسات، وبالتحديد الذاتيِّ الّذي يقوم به الشعب نفسه» .
ويقول "مصطفى علم الدين": «الحضارة هي نمط عيش مجموعة بشريّة معيَّنة، في بيئة معيَّنة يتمثَّل في النظام الّذي تعتمده المجموعة وفي سلَّم القيم الاجتماعيّة الّتي تحدِّدها لنفسها. وفق هذا التعريف، نستطيع القول إنّ لكلّ "مجتمع" حضارته الذاتيّة المتميّزة». وبناءً عليه، نخلص إلى التعريف التالي للحضارة: «إنَّها مجموعة الأفكار والمشاعر والأنظمة الّتي تصوغ طريقة العيش في مجتمع من المجتمعات».
وبناءً على هذا التعريف، من الخطأ إدراج ما ليس من هذه المجموعة الّتي تتكوّن منها الحضارة ضمن مدلول "الحضارة"، ولا سيّما المستوى العلمي والتقني والأشكال والوسائل المادّيّة الّتي يستعملها الإنسان في حياته اليوميّة ممّا لا يرتبط بوجهة نظره عن الحياة. فالصناعات والمبتكرات والعلوم الطبيعيّة والوسائل المادّيّة والأشكال المستحدثة ليست هي الّتي تعطي المجتمع هويّته، وليست هي الّتي تصوغ طراز عيشه وتميّزه عن سائر المجتمعات، بل هي مما تتبادله الشعوب في كثير من الأحيان دون أن يؤثِّر على هويّتها الحضاريّة. وقد سبق وأسلفنا أنّ "موريس كروزيه" يرى أنّه حتّى الأقوام المتوحّشة لها حضارتها الخاصّة بها. ومن هذا المنطلق حرص بعض المفكِّرين الغربيّين على التمييز بين المصطلحين "Civilization" و"Culture". فخصّوا الأوّل –كما فعل" ألفرد فيبر"– بعمليّة «نموّ فروع المعرفة وتقدّم سبل السيطرة الفنيّة على القوى الطبيعيّة، ذلك التقدّم المتماسك الّذي له نظام منتظم ينتقل من شعب لآخر»، وعبّر عنه بعض الكتّاب العرب بكلمة "مدنيّة"، وخصّوا الثاني بتلك المنظومة المعقّدة من المعارف والعادات والأخلاق والقوانين … الّتي اكتسبها الإنسان من مجتمعه الّذي يعيش فيه، وعبّر عنه بعض الكتّاب العرب بكلمة "حضارة".
وها هو "رالف لنتون" يفرّق بين عناصر الحضارة وبين الجهاز التقني الّذي يملكه المجتمع، ويرى أنّ الحضارات الّتي تتشابه جدّاً في تكنولوجيّتها قد تختلف اختلافاً تامّاً في تكوينها الاجتماعيّ وفي ديانتها وفي فنّها. ثمّ يفيدنا أنّ «علماء الدراسات الأنتروبولوجيّة يميلون الآن إلى إخراج تلك الأشياء نفسها من مفهوم الحضارة ».
وكذلك الأمر بالنسبة للعلوم الطبيعيّة الّتي أنتَجت – ولا زالت تنتج – الابتكارات والوسائل والأشكال المادّيّة المستعملة في شؤون الحياة، فهي على حدّ تعبير "توبي هاف" «ليست موروثة لمجتمع قومي ولا لجماعة عرقيّة ولا لأمّة معيّنة، وإنّما لِسِمتها العالميّة، فإنّ لها القدرة على أن تتجاوز الحدود». ثمّ يضيف: «إنّه لأمر مهمّ أن يعرف العالم أنّ أوربّا في القرن السابع عشر لم تنشر العلم "الأوربّي" أو "الغربيّ" وإنّما القول الصحيح إنّه العلم العالمي، أو بتعبير آخر: العلم الحديث في مقابل العلوم القديمة والعصور الوسطى». لذلك كان لا بد من تخصيص كلمة "المدنيّة" للدلالة على مجموعة الأشكال والوسائل المادّيّة المستخدمة في شؤون الحياة، أو للدلالة على المستوى الّذي وصلت إليه البشريّة في المجال التقني والصناعيّ. وبالتالي كان من الحريّ أن يتمّ الفصل بين الدراسات الّتي تتناول التاريخ الحضاريّ للأمم والشعوب والمجتمعات وبين الدراسات الّتي تتناول تاريخ التطوّر العلميّ والصناعيّ لدى الجماعات البشريّة، والّتي من الأحرى بها أن تندرج ضمن ما يعرف بتاريخ العلوم. إذ لكلّ منهما مساره الخاصّ به. فللحضارة وحداتها البشريّة المستقلّة، بينما للمدنيّة مسارها العالميّ العامّ.
وإتماماً لفائدة البحث، وبعد أن حدّدنا تعريفاً لكلّ من "الحضارة" و"المدنيّة"، لا بدّ من إعطاء الرأي في مسألة "الثقافة". فَلَئِن ترجم البعض المصطلح "Culture"بعبارة "الثقافة" وجعلها مرادفاً لما اصطلحنا عليه "بالحضارة"، فإنّنا نرى بعض التمايز بين المصطلحين. ذلك أنّ الثقافة تحمل مدلولاً أوسع من الحضارة. فهي تُطلق عادة على المعارف العقليّة لدى الإنسان. إلاّ أنّ هناك ميلاً لدى كثير من المفكِّرين والكتّاب إلى إخراج "المعارف العلميّة البحتة" من مدلولها، وهي المعارف الّتي يُطلَق عليها في اللغات الأوربّيّة مصطلح Science. ذلك أنّ تلك الأخيرة تتّسم -كما سبق لنا القول– بالسمة العالميّة والتواصل المطّرد، وإن كانت تعبُر في هذا التواصل من خلال الحضارات والشعوب والأمم المتعدّدة. بينما تكون الثقافة في العادة سمة لحضارة أو شعب أو أمّة أو لغة أو حتّى فرد. فالثقافة قد تُنسَب إلى حضارة معيّنة فتكون في مدلولها قريبة إلى حدّ كبير من الحضارة، وإن بقيت تحمل مدلولاً أوسع. فالثقافة الإسلاميّة مثلاً، هي مجموع المعارف الّتي كانت العقيدة الإسلاميّة سبباً في بحثها، مثل علم التوحيد والفقه والتفسير والحديث وعلوم اللغة العربيّة –بوصفها لغة القرآن- ومصطلح الحديث وعلم أصول الفقه… وقد تُنسب الثقافة إلى اللغة كالثقافة الفرنسيّة مثلاً، فتكون دالّةً على مجموعة المعارف العقليّة الّتي تمّ التعبير عنها أساساً باللغة الفرنسيّة. وقد تُنسَب الثقافة إلى فرد، للدلالة على المستوى المعرفي الّذي وصل إليه إنسانٌ ما، فيقال ثقافة زيد واسعة وثقافة عمر متماسكة أو فوضويّة، أو للدلالة على نمط ثقافته، فيقال ثقافة "هيغل" وثقافة "شبنجلر" وثقافة "الغزاليّ"…
العلاقة بين الحضارة والثقافة
يرتبط مفهوم الحضارة بتأثير الإنسان حصراً، والحضارة خلاصة تجارب الإنسانية وهي المحصلة العليا للمكتسبات والانجازات الإنسانية في كافة الميادين.
ينزع معنى الحضارة إلى العمومية، في حين أن معنى الثقافة ينزع إلى الخصوصية، لأن الثقافة هي الحضارة الخاصة بأمة من الأمم لا يشاركها في شأنها أحد، تحمل صيغة هذه الأمة وتتسم بسماتها.
الحضارة مرادفة للثقافة، وهناك تطابق بين الحضارة والثقافة، فالثقافة مجموعة القيم والرموز والأخلاق والعادات والتقاليد التي يستعملها الإنسان في بيئته ومعاملات الناس وتصرفاتهم في الحياة اليومية، وهي الفكر من علوم وفلسفة وعقائد وتتداخل هذه المكونات لتشكل الثقافة العامة لشعب من الشعوب.
والثقافة متنوعة بتنوع الشعوب، وتختلف من مجتمع إلى آخر وهي انتقالية تنتقل عن طريق الاحتكاك من شعب إلى شعب، وهي متطورة ومتغيرة بشكل ديناميكي متحولة باستمرار.
ولكل جماعة ثقافة تعبر عن وجودها، وكان البعض يطلق لفظ الثقافة على المظاهر المادية، ولفظ ( الحضارة) على المظاهر العقلية، وذهب فريق آخر خلاف ذلك.





الفصل الثاني
عوامل نشوء وأفول الحضارات
أولاً_ عوامل نشوء الحضارات: إن عوامل نشوء الحضارة ليست واحدة، بل هي نتيجة مجموعة من الظروف الكونية أو البيئية، ولعل من أهم عوامل الحضارة ما يلي:
1- العوامل الطبيعية
لم تنشأ الحضارة في العصور الجيولوجية السحيقة … بسبب عدم توافر الظروف البيئية المناسبة، وإنما بدأت بعد انحسار الجليد وتراجعه، فظهرت اليابسة وتشكلت الوديان والسهول وبدأت أولى الحضارات في التاريخ البشري في بلاد الرافدين والنيل والهند والصين، فخيرات الأرض هي الأساس لأي حضارة.
2- العوامل الجغرافية
- تراجع أو تدهور. نكوص . انهيار
– إن اتساع الرقعة الجغرافية واتصالها يوفر الإفادة من تنوع العوامل الطبيعية،كما أن قرب الموقع الجغرافي من مناطق مأهولة يتيح التفاعل الحضاري مع المجموعات البشرية المجاورة، وكثيراً ما كان ضيق المكان عائقاً أمام نمو الحضارة.
– وكان للكشوف الجغرافية الكبرى ( رأس الرجاء الصالح – العالم الجديد ) أثر هام في نمو الحضارة الغربية، وانتقال الثقل الحضاري إليها. بعد أن كان محصوراً في العالم القديم.
– إن وسائل الاتصال الحديثة قللت من سلبيات البعد الجغرافي … فاقتحمت الحضارة أصغر وأبعد الجزر في المحيطات.
– كما أن العوامل الطبيعية والجغرافية برغم أنها شرط ضروري لقيام الحضارة إلا أنها شرط غير كافٍ … لأن الطبيعة مجردة من الإنسان لا تنشئ لنفسها حضارة، لأن الحضارة في جوهرها صرح إنساني مادي من جهة، واجتماعي وفكري وروحي من جهة أخرى.


3- العوامل الاقتصادية
– إن بقاء الفرد يتوقف على إشباع الحاجات البيولوجية، والحاجة إلى الشعور بالأمن من أخطار الطبيعة ، ومن أجلها استخدم الإنسان عضلاته وأدواته الأولى ( الحجر والعصا).
– ثم اكتشف الإنسان النار وليّن المعادن وصنع الأدوات والآلات، وظهر الاقتصاد الذي ساعد الإنسان على الانفصال عن مملكة الحيوان والعيش في مجتمعات، وقسّم العمل وظهرت الحرف، ونشأت شروط التبادل التجاري التي كان لها الفضل في ازدهار الحضارات القديمة ( الفينيقيين).
– وإذا كانت الحاجات المادية هي دافع النشاط الاقتصادي ، فإن تراكم الثروة وتزايد السكان مكنت الإنسان من الارتقاء في تنظيماته الاجتماعية.
– وعلى الرغم من أهمية العوامل الاقتصادية في نشوء الحضارة وارتقائها، إلا أنها ليست العوامل الوحيدة فقديماً قالوا: ( ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ).

4- العوامل الاجتماعية
– إن الإنسان كائن اجتماعي يتجلى ميله الاجتماعي بالتوافق بين سلوكه ومعايير الجماعة …ليحظى بالشعور بالانتماء والأمن والأنس، ويبعد عنه ألم الوحشة والاغتراب.
– لذلك نشأت الأنظمة الاجتماعية ، وحددت الأوامر والمحرمات على شكل واجبات، مقابل تأمين حقوق ( كحق الحياة والحرية ) وتولت السلطات حراسة هذه الحقوق والمطالبة بالواجبات.
– إن المجتمعات التي تدمج الفئات الاجتماعية في الحياة الاقتصادية والسياسية والفكرية تكون أكثر رقياً من الناحية الحضارية، أما المجتمعات التي تعاني من الانغلاق الطبقي وتمنع الحركية الاجتماعية تحكم على نفسها بالجمود والخضوع للهيمنة الخارجية.

5- العوامل الفكرية والروحية
-لو كانت العوامل الطبيعية والمادية والجغرافية وحدها لبقيت الطبيعة بكراً، إلا أن الإنسان بما يحمل من طاقات عقلية وروحية وإرادية حقق التآزر بين يده وعقله ، وإن انطلاق هذه الطاقات رهن بتوافر شرطين مهمين هما:
أ‌- روح العصر المناسبة
-تعني الشروط الفكرية والفلسفية التي تشكل مناخاً ثقافياً، وتؤدي دوراً حاسماً في صعود الحضارة أو سقوطها ، ويمكن تمييز نوعين من روح العصر:
• روح الجمود والتقليد
-تسود الأفكار السلبية والخرافات التي تجعل الإنسان يائساً مستسلماً لتسلط القوى الاجتماعية الطاغية والطبيعة القاسية فيغذي روحه بمفاهيم خاطئة عن الكون والحياة، وهذا ما دعاه المفكر الإيطالي ( فيكو ) حالة العدوان على العقل وتتجلى في ملاحقة المفكرين مثل مأساة ابن عربي ومحنة ابن رشد وتعرض العلماء في أوربا الإقطاعية للتنكيل بدعوى الكفر.
• روح التفاؤل والحداثة
-توقظ روح الفضول ما يدفع الناس إلى الإبداع، وهو ما يميز اليونان في عصر سقراط ، والعصر العباسي، وفلسفة الأنوار التي مهدت للحضارة الأوربية التي سميت بهذا الاسم لما قدمته من مناخات فكرية ظهر فيها مارتن لوثر وديكارت الذي وضع قواعد الشك المنهجي.
ب‌- المبدعون الرواد
– تؤثر روح العصر في نفوس الأفراد تأثيراً متفاوتاً، فقلة منهم يستوعبون مشكلات عصرهم ويقدمون إسهامات تخلد أسمائهم وهم نتاج روح العصر أو أحد أسبابه وهم الأنبياء والمصلحون والمفكرون والعلماء والفلاسفة.
– كذلك هناك عوامل سياسية مهمة، إذ يجب أن يكون هناك ( نظام سياسي ) يحمي الجماعة و ( لغة ) للتبادل الفكري، و( نظم أخلاقية ) توحد الناس بإعطاء قواعد النظام والتوجيه في السلوك ، و( تربية ) لنقل الحضارة ، فتراث الجماعة يجب أن ينتقل إلى صغارها …لأنهم بهذه الوسيلة ينقلبون إلى بشر.
– ولا بد من نفي أي دور للعامل ( العرقي )…لأن أية حضارة أسهم في نشوئها وازدهارها جماعات تنتمي إلى أصول عرقية متعددة.
– والحضارة تبدأ من حيث ينتهي الاضطراب والقلق . لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها.
– ليست الحضارة بالاختراعات المادية وركوب السيارات والرفاهية، وإنما بجملة مقاييس تقاس بها ، منها الفضائل الأخلاقية واحترام الآخر واحترام القوانين، فالحياة المتحضرة بأهلها الذين يصنعون الحياة السوية بعيداً عن الجهل والتخلف. والحضارة بالإيثار وبمحبة الناس والعطاء وبناء الوطن.
– وهكذا فالحضارة هي ما صنع الإنسان ، وما يصنعه منذ وجد على وجه الأرض وما بقي عليها، إنها من الإنسان وللإنسان، و لا حضارة خارج الإنسان.
ثانياً_ أسباب أفول الحضارات
أرجع العلامة ابن خلدون أسباب أفول حضارة، وبالتالي قيام أخري في مكان أخر، إلي عوامل منها:
1- عوامل مادية: كاتساع رقعة الملك، وعدم خضوع الأطراف النائية للسلطة المركزية.
2- عوامل اقتصادية: ويعني بها حالة الترف والدعة بعد فترة الاستقرار.
3- عوامل اجتماعية: فالمجتمع خاضع للتطور المحتوم، وللدول أعمار كأعمار الأفراد.
وتمر الحضارة في خمسة أطوار:
1- الفتح والاستيلاء واكتساب المجد
2- استبداد حاكم الدولة على قومه ازدياد ظلم المواطن وخنق الحقوق والحريات.
3- إتباع حاكم الدولة سياسة تحصيل المال، وتخليد ذكره بالآثار مع تجميد شخصه.
4- الإسراف والتبذير، حيث يصبح حاكم الدولة وبطانته أسير الملذات والشهوات.
5- طور الأفول, عندما تصبح الدولة في حالة هرم، فتسير بخطوات سريعة إلى الأفول والتراجع.

















الفصل الثالث
التواصل بين الحضارات
تجلت العلاقة بين الحضارات بالتواصل والتثاقف، فالعالم يعيش حضارة واحدة وثقافات عدة.
والتواصل بين الحضارات أمر مؤكد .. فلا يمكن لأية حضارة أن تنبت من فراغ، وإنما هي حلقة متصلة أخذت ممن سبقها وبنت فوقها. ومانراه عند ( أرسطو- الفارابي- ابن رشد أفلاطون ) .. ليس إلا مجرد تواصل الحضارتين العربية والإغريقية، فالتلاقي بين الحضارات يمثل واقعاً ثابتاً.
وقد تواصت الحضارات مع بعضها البعض عن طرق ما يلي:
1- التواصل بين النخب والعلماء والفلاسفة
– تم نقل تراث الشرق الأدنى إلى اليونان عن طريق الفلاسفة والعلماء ومنهم:
أ‌- طاليس:ينتمي نسبه إلى أسرة الثيليداي الفينيقية، تعلم في مصر الرياضيات، وأخذ عن البابليين علم الفلك، وتنبأ بكسوف الشمس بناءً على معطيات فلكية عرفها علماء بلاد الرافدين، فشكل حلقة اتصال بين بلاد الشرق واليونان.
ب‌- فيثاغورس: سافر إلى بلاد الشرق وتعلم الرياضيات والهندسة والفلك والفلسفة.
ج- هيرودوت: زار مصر وسورية وبلاد الرافدين وفارس، وعاد إلى بلاده حاملاً تراثاً علمياً وإعجاباً بحضارة الشرق.

2- التواصل عبر الرحلات و التجارة
– قام أبناء الشرق الأدنى بالرحلات إلى اليونان وغيرها من بلدان المتوسط بدوافع تجارية وسياسية، فالمصريون صدروا القمح وورق البردى إلى اليونان، والفينيقيون قاموا بنشاط تجاري في المتوسط منذ أواخر الألف الثاني ق.م وسبقوا اليونانيون في اكتشاف الغرب الأوربي ، وحملوا أفكارهم وعاداتهم.
3- التواصل عبر الفتوحات
– فتح الاسكندر المقدوني الحضارات الشرقية ونقل علومها وآدابها وكوّن نواة لأول متحف ومكتبة يونانية.
– والفينيقيون علموا اليونانيين الكثير من العلوم والمعارف مثل الحروف الأبجدية، ودخلت هذه الحروف إيطاليا وأوربا كلها.
– فالتاريخ الحضاري هو في مجمله ثمرة الجهد المتراكم للمسيرة الإنسانية على مدار التاريخ مشكلاً جوهر العلاقة بين الحضارات القائمة على الأخذ والحوار والانتاج المشترك للحضارات الإنسانية المتعاقبة.
– تمثلت حضارة الشرق الأدنى بالانطلاق والانفتاح على محيطها الجغرافي عبر الكثير من المحاور العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية … فلم تكن حضارة منغلقة على نفسها ومنقطعة عن غيرها ، بل قامت بالمبادلات التجارية وتعاونت مع غيرها في المعارف العلمية والسياسية.
– احتفظت حضارات الشرق بمقومات ميزتها عن الحضارة اليونانية والهندية والصينية على الرغم من تأثيرها وتأثرها بالحضارات الأخرى، واعتزت كل حضارة بهويتها التي لم تلغ هوية الحضارات الأخرى، أو الإنغلاق في مواجهتها ، وادعاء التفاضل عليها ورفضها لإنتاجها الثقافي.
– وهكذا نرى أن كل حضارة تعمل على تعزيز الحوار والتبادل الثقافي الذي يمكّن باقي الحضارات من التقدم والرقي، معتمدين على قيم التسامح والاحترام المتبادل لضمان حقوق الإنسان مهما كان لونه وعرقه ودينه.




الحوار بين الحضارات
إن الاهتمام بحوار الحضارات ودراستها كان نتيجة الحروب التي اصطلى العالم بويلاتها في القرن العشرين، الذي شهد الحرب العالمية الأولى والثانية، وحروب فيتنام، والشرق الأوسط، والخليج، والبلقان، وأفريقيا، وغيرها؛ وحاجة العالم إلى مفاهيم مشتركة سعت الأمم المتحدة إلى بلورتها في الإعلانات والمعاهدات والمواثيق الدولية. فقد أدرك العالم بعد الحرب العالمية الثانية حاجته إلى الحوار وتحجيم الخلافات التي أدت إلى هلاك ملايين البشر وإلى التنكر للأخلاق والمبادئ الإنسانية، فكان إنشاء هيئة الأمم المتحدة وكان إنشاء اليونسكو المنظمة الدولية للعلوم والثقافة، وبدأت اليونسكو منذ عام 1949م نشاطها في حوار الحضارات والثقافات، فقد جاء في أحد تقاريرها الأولى المنشورة عام 1949م (أن مشكلة التفاهم الدولي هي مشكلة علاقة بين الحضارات، ومن هذه العلاقة يجب أن يظهر مجتمع عالمي جديد على أساس التفاهم والاحترام المتبادل، ويجب أن يتبنى المجتمع نزعة إنسانية جديدة بحيث تحقق فيه العالمية من خلال الاعتراف بالقيم المشتركة في الحضارات المختلفة).
ويعد حوار الحضارات منهجاً عقلياً يحررنا من الجهل ، ويعزز بالنقد والمراجعة والاعتراف بالتنوع والابتعاد عن تجاهل الاختلاف مع الآخر ، مؤكداً أهمية العلاقات الإنسانية والروحية والقيم والأخلاق والضمير …لأنها تؤسس عالماً بعيداً عن الصراع والحروب والقلق والنزاعات. ولا بد من تفعيل الحوار كقوة فاعلة في مستقبل البشرية والإقبال على النهضة والحداثة كمسألة تكامل لينقذ الحضارة من حالات الصراع والنزاع بقصد الوصول إلى ثقافة السلام والمحبة.
ولحوار الحضارات أبعاد متعددة:
أ‌- البعد الإنساني:
– يشكّل حوار الحضارات بعداً إنسانياً ، كونه علماً وحياة وثقافة ويعدّ مدخلاً للحفاظ على الحياة البشرية في كل أبعادها الإنسانية والثقافية والروحية والاجتماعية وصون البيئة والطبيعة.
– ويسهم حوار الحضارات في تقدم العالم وأمنه واستقراره وازدهاره …لأنه قائم على احترام كرامة الإنسان وحقوقه وحريته ، و لاسيما الحرية الدينية ، والقيم الديمقراطية والتعددية وحق الاختلاف.
– و من دون الحرية لا وجود لهذا البعد الإنساني ، فهو جزء مهم من الحياة الإنسانية، ويعد أولوية في العالم كله لاسيما في الشرق …نظراً لتعدد حضاراته وثقافاته وأديانه ، إنه جوهر الحضارة والثقافة والدين.
ب‌- البعد الثقافي:
– إن ثقافة الحوار تؤصل بعداً ثقافياً عميقاً، ينمي فكرا ، يؤسس نهجاً …كونه حركة حية دائمة للإبداع والمحبة والتضامن والتجدد والوحدة في التنوع، مشكلاً حقاً وواجباً إنسانياً وأخلاقياً.
– ولايمكن أن نتجاهل حقيقة تاريخية تعترف بالتنوع والاختلاف واحترام الآخر والعيش معه بمحبة واحترام ، فالحضارات لم تكن من صنع فرد أو شعب ، وإنما كانت إبداعاً جماعياً عبر التاريخ.
ج- البعد المعرفي:
– إن الحوار لقاء فكري يهدف إلى التعرف على الآخر ومنظومته المعرفية، لذا لا بد من إيجاد مشاركة متعددة يتم بها الاعتراف والقبول بالآخر مكوناً بعداً معرفياً يساعد الإنسانية على إنتاج كم هائل من المعرفة الذي أسهم في إنشاء الحضارات.
– وهذه الحضارات لم ولن تكون إلا من اللقاء والانفتاح والتأثير المتبادل بينها أفقياً بين شعب وشعب وعمودياً بين ( عصر وعصر ).وهناك حقيقة علمية تفيد بأن العالم متنوع في الحضارات والثقافات والأديان والشعوب، وهو متعدد في الحقيقة والتاريخ والواقع.
– أما الفكر الأحادي فهو يشكل فكراً تهميشياً قائماً على الاضطهاد والحقد والانتقام وإبعاد الآخر والاستيلاء على حقوقه وفرض الهيمنة عليه وتحويله إلى مثيل دون هوية ، وهذا يعد تجاهلاً للاختلاف بين الناس والأمم ويخلق الصراع بينها.

ولكي يثمر الحوار ويحقق نجاحه وأهدافه لا بد من توافر شروط عدة من أهمها:
1- الاعتراف بالآخر:
– القبول مبدئياً بوجود الآخر وبحقه بهذا الوجود وبخصوصيته ، وبمقومات بقائه ، والاعتراف بالآخر ليس مجرد المعرفة بوجوده… بل الاعتراف بحقوقه واستقلاله وتماثله مع الأنا في الإنسانية ، والتعارف الذي يقتضي تقارباً بين المتعارفين وتسليماً متبادلاً باختلاف كل منهما عن الآخر.
2- التبادل الحضاري:
– يعد التبادل الحضاري شرطاً من شروط نجاح الحوار بين الحضارات فيكون لكل طرف من الأطراف حق التعبير عن رأيه وبيان موقفه من القضايا التي يجري الحوار حولها، مهما كان الرأي مخالفاً لما يعتقده الآخرون.
3-الثقافة:
– من شروط نجاح الحوار واستمراره أن يكون نشاطاً دائماً متجدداً … لأن الإحاطة بجوانب التميز ثم الإفادة منها في تبادل الخبرة والمعرفة لا يتمان في جلسة أو عدة جلسات حوارية، لكنه يحتاج إلى تواصل مستمر يتعدد المشاركون فيه بتعدد جوانب الحياة وتنوع الاختصاصات.







الفصل الرابع
الحوار بين الحضارات في ظل العولمة
- من أهم التحديات التي تطرحها العولمة أن نعرف كيف نحافظ على خصوصياتنا الثقافية دون أن يحول ذلك بيننا وبين التفاعل الإيجابي مع العولمة.
- لقد أصبحنا نعيش في عصر اختزال المسافات وتقدم وسائل الاتصالات والمعلوماتية ولكننا مازلنا نتساءل كيف سيتم الحوار بين سكان هذه القرية الضخمة التي يتحدثون عنها في إطار العولمة? هل يا ترى سيتحدث الجميع لغة واحدة أم ستنشط حركة الترجمة من وإلى جميع اللغات الحية التي يتعامل بها البشر على كوكب الأرض? وهل سيكون لكل شعب من الشعوب خصوصيته الثقافية أم سيصبح جميع سكان (القرية الضخمة) ذوي ثقافة واحدة موحدة أيضا? ثم ما مصير تعدد اللغات والثقافات في الكيان الموحد الواحد في إطار العولمة?
- إن الاتحاد الأوربي الذي يسعى حاليا إلى ترسيخ هوية أوربية جديدة سياسيا واقتصاديا ونقديا يرفض بشدة العولمة الثقافية التي تريد الولايات المتحدة فرضها عليه وعلى العالم أجمع ويتشبث بالخصوصيات الثقافية الأوربية. ولعل من أشد الدول والشعوب رفضا للعولمة الثقافية وتمسكا بالخصوصية الثقافية هي فرنسا التي تتمسك بموقف متشدد في هذا الصدد والتي اتخذت إجراءات قانونية صارمة سواء داخل فرنسا أو خارجها للمحافظة على لغتها الفرنسية. لقد سنت فرنسا قانونا يحظر استخدام اللغة الإنجليزية في وسائل الإعلام الفرنسية وفي التجارة وفي المحلات التجارية... الخ, وكذلك خارج فرنسا في محافل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية حيث ترفض فرنسا رفضا باتا قبول أي قرارات أو وثائق أو مستندات باللغة الإنجليزية وتصر على أن تقوم الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بترجمة ذلك إلى اللغة الفرنسية.
- أما في الدول النامية فإننا مبهورون بالتقدم التكنولوجي الهائل الذي حققه الغرب في مجال الاتصالات والإنترنت وفي العلوم الطبية وخاصة في البيولوجيا مع اكتشاف الجينوم البشري أي الخريطة الوراثية للإنسان مما سيقلب كثيرا من المفاهيم ويزلزل كثيرا من المعتقدات, ولكننا في الوقت نفسه نواجه تحديات عصرية حادة إذ كيف يمكننا أن ننمي الوعي الكوكبي عند أبنائنا ليستطيعوا الاندماج في النظام العالمي الكوكبي الجديد مع المحافظة في الوقت نفسه على خصوصياتنا الثقافية المرتكزة على أصول وثوابت الأديان. لا بد لنا أن نقف في مواجهة تيار العولمة الثقافية الذي يهدف إلى فرض ثقافة القوة العظمى الوحيدة أياً تكون تلك القوة العظمى والتي تحاول الهيمنة على ثقافات العالم. الثقافة الأوربية والثقافة الصينية والثقافة العربية الإسلامية والثقافة اليابانية والثقافة الهندية و ثقافات أمريكا وأمريكا اللاتينية.
- على هذا الأساس فإن الحوار بين الشعوب والحضارات يكون بالتعاون على الخير والابتعاد عن العدوان وذلك لصالح الإنسانية فلا يستطيع أي شعب أن يعيش ولا أي دولة أن تستمر إلا بالاندماج في المجتمع الدولي لتكون عنصرا فعالا من عناصر الأسرة الدولية وتواكب التطور والتقدم في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والصناعية والتكنولوجية والثقافية. والهدف من الحوار مع الآخر خاصة مع الغربيين هو الوجود الإسلامي على الساحة الدولية خاصة في المحافل الدولية عبر المؤتمرات العالمية التي تعقدها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى لوضع الأسس والمعايير الحديثة للمنظور الجديدة للعالم.
صراع الحضارات
يرى هنتغتون في كتابه ( صراع الحضارات ) ، أن هناك تواريخ عديدة للبشرية لكل منها محركه الخاص به، فالتاريخ القديم تحرك بقوة رغبات وحسد الملوك والأمراء ، وتاريخ آخر تحرك بقوة صراع الأمم، وتاريخ كان محركه صراع الايديولوجيات الذي انتهى بنهاية الحرب الباردة، أما تاريخ اليوم فهو يتحرك بقوة صدام الحضارات.
ويشير إلى أمور عدة مهمة كمفهوم الحضارة وطبيعة العلاقة بين القوة والثقافة في البنيان الحضاري ، ويشير إلى تغير ميزان القوى بين الحضارات، وإلى الصراعات التي نشأت عن عالمية الغرب ومستقبل الغرب والعالم في ظل هذه العالمية .
ويضيف: تعيش في ظل هذه العالمية حضارات متعددة ( الصينية – اليابانية- الهندية – الإسلامية – الغربية...الخ)، ويعتقد أن ما يحكم هذه العلاقة بين الحضارات هو ( الصدام ) وأساس هذا الصدام هو الثقافة أو الهوية التي تملكها كل حضارة يقول هنتغتون:( إن الهويات الثقافية هي التي تشكل أنماط التماسك والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة). ويؤكد أن الصراعات الأساسية في العالم الجديد لن تكون أيديولوجية ، إنما ستكون صراعات حضارية ، وستكون الحدود الفاصلة بين الحضارات جبهات معركة المستقبل لها جميعا.
لقد افترض هنتغتون أن الحضارات والثقافات أنظمة ثابتة ، ولا شك أن هذا الافتراض يتضمن تبسيطاً غير مقبول لمفهوم الحضارة. فالثقافات والحضارات ليست أنظمة ثابتة، وليست بيوتاً محاطة بأسوار عالية، إنما هي متغيرة ومتبدلة ، ويمكن أن تختلط مع بعضها وتنصهر في بوتقة واحدة.
كما أن تنافس البشر وتعدد ثقافاتهم مختلف عن الصراع الدموي، فليس للحضارات في حد ذاتها تصرفات عدائية ضد بعضها ، وهكذا فالحوار يسهم في تجنب انتشار الصراع المعتمد على القوة لذلك علينا تشجيع الحوار في جميع المجالات.
ولن يتحقق الحوار إلا بالابتعاد عن الأحادية والهيمنة التي تحاول أن تضع الناس في قالب واحد مستنسخ عن النموذج الذي يحاول القوي فرضه على غيره من الأطراف .

تعارف الحضارات
إذا أردنا أن نقرّب مفهوم التعارف إلى بعض حقول المعرفة الإنسانية، فإن هذا المفهوم يشترك في نسق معرفي متقارب أو متجاور لمفهوم التواصل عند المفكر الألماني المعاصر يورجن هابرماس الذي حوله إلى فلسفة أطلق عليها «التفاعلية التواصلية»، وهى أكثر أفكار «هابرماس» شهرة، فقد اختبرها وتوصل إليها بعد دراسة نقدية لكبريات النصوص الفلسفية باتجاهاتها المختلفة في منظومات الفكر الأوروبي، وطرحها في كتابه «القول الفلسفي للحداثة». وينطوي مشروع الحداثة عند «هابرماس» على عدة أبعاد، منها البعدان النفسي والأخلاقي، ويظهر هذان البعدان في الثورة على الأشكال التقليدية الكلاسيكية، ومحاولة التعرف على آفاق إنسانية جديدة تنمو تجاه الشعور والوجدان والذات والأنا بوجه عام، فقد دعا «هابرماس» إلى عقلانية تواصلية بدل العقلانية العدائية التي ترمى إلى تفتيت المجتمع الإنساني ليحل محله مجتمع الغابة القائم على البقاء للأصلح أو الأقوى، في حين أن العقلانية التواصلية تعنى عنده التفتح الواسع، والدعوة إلى التقدم والعصرنة والتجديد، وهذه العملية تتطلب- حسب «هابرماس»- نمطًا جديدًا في العلاقات الإنسانية مغايرًا للنمط القديم الذي يغلب عليه طابع الأداتية و هو نمط من التفكير الذي يعرف مشكلة ما، ويسعى لحلها دون تساؤل عن مضمون هذه الحلول والغايات، وما إذا كانت إنسانية أم معادية للإنسان»، فالعقل الأداتي- حسب «هابرماس»- هو ذاته يشكّل أيديولوجيا. لقد وجه «هابرماس» نقدًا لاذعًا للفلاسفة الذين مجّدوا العقل الأداتي الذي هيمن على حياة البشر، وقضى على إنسانية العلاقات البشرية «الحب، الشفقة، العواطف، الانفعالات..»، وجردها من طبيعتها ليضفى عليها زيفًا وقناعًا ولا مشروعية، الأمر الذي جعل الإنسان يفقد الثقة في الآخر، لذلك نجد أن «هابرماس» يدعو إلى إنشاء معايير وأخلاقيات جديدة ذات بناء عقلاني محض، يكون بعيدًا عن الهيمنة، وإرادة تدمير الآخر.. إن العقل التواصلي هو بمثابة الخروج من سلطة المركزية الذاتية، بمعنى أنه ينبذ التقوقع على الذات، فهو يمثل فعل التجاوز للتقوقع والتمركز الذين تميزت بهما الذات الغربية عبر التاريخ، وهذه العملية تمثل تهذيبًا لـ«الأنا الغربي» من أجل الإقبال على فعل التفتح والحوار مع الآخر، فهو يناهض الأنانية الذاتية والعنصرية، وهما مفهومان تزخر بهما الفلسفات الذاتية، من ثم نجده يدعو إلى إبداع قيم جديدة معاصرة تتماشى مع متطلبات العصر، وليس مع متطلبات الغريزة وحب الهيمنة، فهي قيم إنسانية قاعدتها الاتصال، وتقبل الآخر، وهدفها التطور والتحضر، وعليه فإن فاعلية التواصل في رؤية «هابرماس» تعنى تجاوز ما يصطلح عليه بفلسفة الذات، والوصول إلى الآخر. هذا ومن الممكن أن نضفى صفة الاعتبار العلمي لمفهوم التعارف من خلال مفهوم التواصل، هذا المفهوم السهل والبسيط الذي حوله «هابرماس» إلى فلسفة شديدة الأهمية من خلال تأسيسات جوهرية أعطت لهذا المفهوم قيمة معرفية، ووطدت صلته بالفكر الفلسفي الذي يضفى أو يضاعف صفة الاعتبار العلمي والأخلاقي للمفاهيم، خاصة أن المفاهيم والنظريات التي تأتى من العالم العربي تواجه تحديات صعبة في انتزاع الاعتبار العلمي، ليس من الغرب فحسب، إنما من داخل العالم العربي أيضًا، لاسيما أن العقل الذي يبحث في علم الحضارة وتاريخ الحضارات لم يشهد ازدهارًا وتقدمًا في الدراسات والجامعات العربية، وليس معروفًا عن الكتابات العربية تميزها في هذا الحقل، فهي أقرب إلى محاكاة الكتابات الغربية، والتزود بالمعرفة منها، وإتباع منهجياتها، ومحاولة تقليدها أو الاعتماد عليها، تضاف إلى ذلك الصعوبة المتعلقة بالإنماء المعرفي لهذه المفاهيم والنظريات ذات المنشأ العربي، وإمكانية دمجها في التراكمات المعرفية، وإحاطتها بالخبرات والتجارب والحفريات الأثرية والتاريخية والحضارية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية المشاركة بتعميمها، ولفت النظر إليها والدفاع عنها، وهذا ما يفسر عدم قدرة العالم العربي على ابتكار الأفكار والنظريات وإدماجها في المعارف الإنسانية، وفتح النقاش حولها على نطاق عالمي واسع، كما يفسر أيضًا غياب التضامن والإحساس بالمشاركة بين الباحثين والكتاب في العالم العربي. إن مفهوم التعارف يلتقي مع مفهوم التواصل في نسق معرفي مشترك، فكلاهما يتضمن بناء الجسور، والوصول إلى الآخر، وتجاوز الذات أو فلسفة الذات، حسب تعبير «هابرماس»، ومن جهة أخرى فإن التعارف يتضمن التواصل، فليس هناك تعارف بدون تواصل، لكنه يتجاوزه، بمعنى أن التعارف أوسع وأشمل منه، أما التواصل فقد يكون بتعارف أو بدون تعارف، الفارق بين المفهومين أن التواصل عند «هابرماس» يرتبط بحقل المعرفة، أو هكذا حاول ربطه، فتحددت علاقته بالعقل، أما التعارف فيرتبط بحقل الاجتماع، فتحددت علاقته بالمجتمع والجماعة والناس. وقد أبدى بعض المفكرين العرب نوعًا من القلق العلمي إزاء العلاقة بين فكرة تعارف الحضارات، وفكرة التواصل عند «هابرماس»، وهذا القلق العلمي له علاقة بهاجس الهوية، والشعور بالتمايز الفكري، والخشية من الاختراق الثقافي، والحذر من الإصابة بالتغرب والتغريب، وضرورة الاحتفاظ بمسافة أو مسافات تفصل وتباعد بيننا وبين الغرب الاستعماري والإمبريالي المخادع والمتحامل الفاتن والساحر، إلى غير ذلك من صور وأوصاف ظهر عليها الغرب في تاريخ علاقاته بالأمم والمجتمعات الأخرى غير الأوروبية. إن فلسفة تعارف الحضارات التي دعت إليها الديانات السماوية لا تقبل هذه الحساسية في التعامل مع الحضارات الأخرى، هذا بالإضافة إلى أن الغاية من النسب أو التجاور بين فكرتي التعارف والتواصل تتلخص في الأمور التالية:
أولاً: إن تعارف الحضارات هو مفهوم جديد، والكشف عن أي مفهوم جديد يستدعى من الناحيتين المنهجية والمعرفية اختبار هذا المفهوم من مختلف جهاته التي يتصل بها، حتى تتكشف أبعاد هذا المفهوم وعناصره، وتتضح هويته وماهيته، وتتبلور حدوده وعلائقه، وبهذه الطريقة تتحدد صورة المفهوم ، فالتواصل مهما قلنا عنه من تفسيرات وتأويلات هو مفهوم ينظر إلى الآخر، وهكذا الحال مع مفهوم التعارف.
ثانيًا: إن هذه المقاربة مع مفهوم التواصل تنطلق أساسًا من خلفية انتساب هذا المفهوم إلى حقل المعرفة الإنسانية، وليس بوصفه مفهومًا غربيًا متطبعًا بالثقافة الغربية، ومتسلحًا بالأيديولوجيا الأوروبية، والمفترض أنه لا يخشى كثيرًا من المفهوم الذي ينتسب إلى الحقل المعرفي، وإلى المعرفة بصورة عامة من جهة المس بالهوية، أو اختراق الثقافة، أو الإصابة بالتغرب، أو غير ذلك من هواجس ومخاوف.
ثالثًا: إن التواصل هو فكرة سهلة وبسيطة، ومع ذلك تحولت إلى نظرية عرف واشتهر بها «هابرماس» في المجال الأوروبي والإنساني عمومًا، وجرت حولها نقاشات فكرية وفلسفية لم تنقطع إلى اليوم، وهذا يعنى أنه بإمكان فكرة تعارف الحضارات أن تتحول إلى نظرية لا تقل أهمية وقيمة في المحتوى الفكري والأخلاقي والإنساني عن نظرية التواصل، خاصة أن فكرة التعارف تستند إلى أصل متين يرجع إلى القرآن الكريم الذي هو أصل الأصول عند المسلمين كافة، الاستناد الذي يضاعف من قيمة هذه الفكرة، ويرفع من منزلتها، ويكسبها قدرة على البقاء والديمومة، لهذا فإن هذه الفكرة حتى تنتقل وتتحول إلى نظرية هي بحاجة إلى إنماء معرفي متجدد ومتراكم، وإلى مزيد من النقاش العلمي، وإلى حالة من الاحتضان والتضامن الفكري والأخلاقي.
رابعًا: إلى جانب تلك الخلفيات والأبعاد فإن هذه المقاربة سوف تؤدى إلى تقريب الكتاب والباحثين والمثقفين عمومًا من فكرة تعارف الحضارات، بوصفها فكرة جديدة بحاجة إلى نوع من العناية والالتفات، وإلى تكثيف النقاش حولها، ودفعها نحو المجال التداولي، فهذه المقاربة بإمكانها أن تمثل إغراءً معرفيًا ينجذب إليه هؤلاء الكتاب والمثقفون الذين تستحوذ على اهتماماتهم عادة مثل هذه المقاربات التي لا تخلو من إثارة وطرافة، وما تتسم به من جدل ونقاش، وما تظهر فيها من فروقات ومفارقات.
وأخيرا بلورت اليونسكو قد بلورت هذا المفهوم بما لا يتعارض مع الخصوصيات الثقافية وبما يؤكد مسؤولية كل شعب تجاه حضارته وتجاه الإرث البشري العام ففي بيان لاحق لليونسكو نص في مادته الأولى على ثلاثة بنود هي:
1. كل حضارة لها اعتبارها وقيمها التي تجب المحافظة عليها واحترامها.
2. كل شعب له الحق وعليه واجب تنمية حضارته.
3. كل الحضارات، بما فيها من تنوع واختلافات عميقة وتأثير متبادل على بعضها البعض، جزء من الإرث العام للبشرية.
وقد أخذت هذه المفاهيم بعين الاعتبار في الدراسات الدولية ومراكز البحوث، وتم التركيز في مواجهة الأفكار التي تعمدت تجاهل الآخر، ومحاولات السيطرة والهيمنة.
وقد أثارت أطروحتي "صراع الحضارات" و" نهاية التأريخ" لكل من عالم السياسية صامويل هنتنجتون الأستاذ بجامعة هارفارد، وعالم الاقتصاد السياسي الأمريكي فوكوياما جدلاً وحوارات ونقاشات واسعة في أوساط المفكرين والفلاسفة والكتاب والسياسيين في أنحاء العالم، وواجهت اعتراضات العديد من هذه الأوساط وخاصة أبرز جوانب الأطروحتين التي كانت تدعو إلى الهيمنة الأمريكية على العالم وإظهار الحضارة الأمريكية كونها الأرقى، وعليه أن تكون تلك الحضارة هي التي يجب أن تفرض على الأمم والشعوب.
وسيبقى هذا الجدل والحوار والاختلاف قائماً حول هذا الأمر لعقود قادمة قبل أن يتحقق السلام في العالم، وتسود الحرية والحق والعدل.
وسيبقى الجدل والحوار والاختلاف قائماً مع وجود البشرية.












ملحق
بعض الحضارات التي نشأت عبر التاريخ:
- حضارة بلاد الرافدين (السومرية)
- حضارة وادي النيل (الفرعونية)
- الحضارة الهندية
- الحضارة الصينية
- الحضارة اليونانية
- حضارة الرومانية
- الحضارة الفارسية
- الحضارة الإسلامية

المصادر :
1- المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية دراسات حضارية زكي الميلاد
2- لحقوق الفردية. وتأثيرها السلبي على النموذج الأمريكي. فرنسيس فوكوياما مقال نشره في جريدة الشرق الأوسط، لندن، العدد ٦٠٩٢ الخميس ٣ / ٨ / ١٩٩٥.
3- انظر الحوار الذي نشرته مجلة المجلة مع "هنتيغتون" لندن، العدد ٨٩٦، ١٣ إبريل. نيسان ١٩٩٧
4- أكاديمية الكوفة
5- بحث مقدم من الأستاذ الدكتور عبد الله بن صالح العبيد إلى مؤتمر باريس للمنظمات الخيرية والإنسانية
6- محمد أبو حامد ماهية مفهوم تعارف الحضارات
7- حوار الحضارات. روجيه غارودي، ترجمة: د. عادل العوّا، بيروت. بارى، منشورات عويدات، إبريل ١٩٧٨م
8- مشكلة الثقافة، مالك بن نبي، دار الفكر، الطبعة الخامسة عشرة، دمشق، 2011م
9- الحضارة -الثقافة – المدنية: دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم، نصر محمد عارف


2015-10-11

اكتب لـنـــا


بريدك الالكتروني


الموضوع


النــــص



يرجى الاشارة الى المصدر " دار بابل للدراسات والاعلام " عند الاقتباس
القائمة الرئيسية
دراســـــات وبحــــــوث
الحوار الوطني العراقي
مــــقالات
مواقف وبيانات
ثقافة وفنــون
البوم الموقـع
عروض كتـب
معطيات جغرافية
مــدن عـراقيـــــة
موجز تأريخ العراق
English articles
النفط العراقي
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة باسم - دار بابل للدراسات والاعلام ©