الرئيســـــــية اتصــــــــل بنا عن دار بابل البريد الالكتروني  
 
 
 
ترجمــــة أخبــــار خاصـــــة قضــــايا عــراقيــــة حقوق العراق السياسية والانسانية ملــفــات خاصــــة قضايا منوّعة الاخبــــــار
   برلمان العراق يصادق على قرار معاملة الأميركيين بالمثل ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: العراق يطرح سندات بمليار دولار، والضمان أميركي ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: احتياطي العراق الأجنبي يفقد 21 مليار دولار في ثلاث سنوات ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيف تم قتل 1000 جندي امريكي في السجون الكورية بدون اطلاق رصاصة واحدة ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيسنجر وشبح الفوضى في الشرق الأوسط ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: موسكو: “داعش” يصنِّع أسلحة كيميائية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: إنها أكبر... إنها أخطر ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: روسيا توسع قاعدة المشاركة لتخفيف العبء على السعودية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: «الناتو»: الساحل السوري ثالث قبّة محصّنة لروسيا في العالم! ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: الاعتقال العشوائي في العراق: أرقام مرعبة :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::  
 
قضايا منوّعة  

السنة الأولى لحيدر العبادي في الحكم: ما الآفاق المحتملة للعراق؟


الكاتب :يزيد صايغ... المركز النرويجي لموارد بناء السلام


بعد مرور عام على تعيينه، لايزال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يواجه صعوبات جمّة لبناء دولة شاملة للجميع سياسياً وقابلة للحياة وظيفياً. صحيح أن نجاحه في الحصول على موافقة البرلمان على خطة طموحة للإصلاح في 11 آب/أغسطس 2015 شكّل خطوة هامة إلى الأمام، إلا أنها لن تكون كافية من دون الحصول على دعم سياسي حقيقي من أقوى الجهات الفاعلة المحلية والخارجية المنخرطة في الشأن العراقي. ومع ذلك، لاتزال هذه القوى تركّز بصورة حصرية تقريباً على إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية عسكرياً، وهي غير مهتمّة بإجراء مصالحة سياسية ذات مغزى بين المواطنين العرب السنّة والشيعة في البلاد، ولا بالسعي إلى تحقيق إصلاحات عسكرية ومالية هيكلية، ولا بضمان تقديم الخدمات الاجتماعية الضرورية بصورة عادلة. ونتيجة لذلك، ربما تكون الدولة العراقية قد تجاوزت نقطة اللاعودة.
تمويه التحدّيات الحقيقية في العراق
اختفت مناقشة المشاكل التي أقحمت العراق في أزمة وجودية عن أجندة المناقشة العامة بصورة شبه كاملة، إلى أن تمت الموافقة على خطة الإصلاح في 11 آب/أغسطس 2015. ذلك أن سقوط الموصل في يد تنظيم الدولة الإسلامية في حزيران/يونيو 2014، كشف بوضوح الانقسام السياسي الهائل بين شريحة كبيرة جداً من العرب السنّة والحكومة المركزية في بغداد. كما أوضح بالتفصيل انعدام الجاهزية العملياتية والتماسك التنظيمي والقيادة الفعّالة في الجيش العراقي الجديد الذي تم بناؤه بتكلفة كبيرة خلال العقد المنصرم، وأيضاً عدم فعّالية أجهزة الشرطة والأمن الداخلي. كان السبب في ذلك كله هو فشل الدولة العراقية المختلّة بشدّة في توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية والبنية التحتية إلى أي شريحة من سكان البلاد، أو تحقيق النمو الاقتصادي والتنويع خارج قطاع النفط، أو الإدارة المالية في مواجهة الفساد المستشري على نطاق واسع.
تسعى خطة الإصلاح ذات النقاط السبع، التي أطلقها رئيس الوزراء حيدر العبادي بعد نحو عام من تعيينه، إلى القضاء على الهيئات الحكومية التي لاداعي لها، وإلغاء المحاصصة الطائفية والحزبية لشغل الوظائف الحكومية، وإعادة فتح التحقيقات في قضايا الفساد، وتمكين رئيس الوزراء من إقالة المسؤولين الإقليميين والمحافظين. وتمثّل هذه الخطة نقطة انطلاق هامة، غير أن التصويت بالإجماع على برنامج الإصلاح أتى من برلمان يضم العديد من الأحزاب والساسة الذين يُنظر إليهم باعتبارهم الأكثر إساءةً، مايدلّ على أن تطبيق البرنامج سيحتاج إلى رصيد سياسي لايمتلكه العبادي بعد. كما أن الأدوات والآليات اللازمة لترجمة أهداف البرنامج إلى إجراءات و نتائج ملموسة غير موجودة.
وحتى لو أحرز برنامج العبادي الإصلاحي بعض التقدّم، لايزال العراق في حاجة إلى تحقيق إدماج سياسي حقيقي، وإصلاح الجيش والشرطة والمالية العامة، وتفعيل الخدمات الاجتماعية بشكلٍ جذري. غير أن التركيز الحصري تقريباً لكثيرين في حكومة بغداد والأحزاب الشيعية الرئيسة والقوّتين الخارجيتين الأساسيتين الداعمتين لها - الولايات المتحدة وإيران - على المواجهة العسكرية مع تنظيم الدولة الإسلامية يعوّق ذلك. إذ إن الحملة العسكرية متعدّدة الرؤوس والمنقسمة في كثير من الأحيان، التي تم إطلاقها ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، تُضعف العناصر الأساسية اللازمة لتأسيس نظام سياسي مستقرّ في مرحلة مابعد تنظيم الدولة الإسلامية، ولتأمين شرعية واستمرارية الدولة العراقية على المدى الطويل.


التحدّيات السياسية
جادل الكثيرون في أعقاب استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل، واجتياحه السريع للمناطق العربية السنّية وصولاً إلى مشارف بغداد في العام 2014، أن الإدماج السياسي للعرب السنّة في العراق أمر ضروري إذا ما كانت ثمة رغبة في إلحاق الهزيمة بالتنظيم. غير أن الإدماج أصبح يعني مرة أخرى، كما كان عليه الحال في العقد السابق الذي تميّز بالمساومات السياسية في بغداد، إعادة تدوير السياسيين السنّة "المعتدلين" ممن كانوا قابلين للعمل داخل البرلمان أو مجلس الوزراء، وتقويض الغرض من عملية الإدماج.
مع ذلك، تبدو المعضلة السياسية التي يواجهها العراق أكثر تعقيداً. فالخلافات في صفوف العرب السنّة من جهة، وفي صفوف نظرائهم العرب الشيعة من جهة أخرى بشأن ماهيّة الدولة العراقية التي يريدونها، لاتقلّ أهمية عن الخلافات بين المواطنين السنة والشيعة عامة. هذا هو بالضبط إرث سعي رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى تحقيق هيمنته السياسية في الفترة بين 2008 و2014، حيث انقلب على حلفائه الشيعة كما على السنّة والأكراد. وهو أيضاً نتيجة عكسية لقيامه بتضخيم ماصورّه على أنه تهديد سنّي على وجه التحديد، ولميله إلى "الإفراط في المركزية"، وفق تقرير صادر عن المعهد العراقي للدراسات الاستراتيجية.
جاء في التقرير أيضاً أن العراق شهد في الوقت نفسه تماسكاً وانقساماً مجتمعياً –بين السنّة والشيعة على حد سواء - فضلاً عن تفتّت الشرائح داخل كل جماعة. ولعلّ هذا يتناقض مع الفكرة الشائعة لدى دوائر صنع السياسات في الولايات المتحدة وغيرها، التي ترى أن التحدّي الرئيس في العراق يتمثّل في إدارة الخلافات الطائفية والعرقية والإقليمية. ولذا فإن تصوير هذه الفئات على أنها أساسية وثابتة، يتجاهل الخلافات السياسية الكبرى داخل كلٍّ منها، والتي تشكّل عقبات خطيرة أمام بناء نظام حكم مستدام وشرعي في الأجزاء العربية من العراق.
الساحة السنّية الممزّقة
الساحة السياسية السنّية العربية ممزّقة بشدّة. فبعض القوميين العراقيين، بمن فيهم البعثيون السابقون بين المتمرّدين الحاليين المعادين لبغداد، يشعرون بالضغينة تجاه خسارة مايعتبرونه دور أهل السنّة التاريخي في قيادة العراق الموحّد. وعلى النقيض من هذا الهدف الاستردادي، يبدو الكثير من السنّة مستعدّين للتعامل مع بغداد، مقابل الحصول على تنازلات سياسية ومادية كبيرة وقدرٍ أكبر من السلطة المحلية. هناك أيضاً من يتصوّرون قيام حكم إسلامي في العراق، وإن كان ذلك من دون دعم تنظيم الدولة الإسلامية، وهو الخيار الذي له مناصروه أيضاً، بسبب عدم وجود خيارات أفضل. وعلى الرغم من أن المسؤولين الأميركيين ووسائل الإعلام الغربية وبعض نظرائهم العرب يميلون إلى التحدّث ببساطة مفرطة عن حشد القبائل العربية السنّية في العراق ضد تنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن هذه القبائل لاتقلّ تنوّعاً في حساباتها وولاءاتها السياسية. وقد أدّى هذا التنوّع إلى بروز مشكلة تمثيل خطيرة، الأمر الذي يعوق التفاوض مع بغداد.
غالباً مايُنظر إلى الساسة السنّة في العاصمة على أنهم فاسدون ويفتقرون إلى الصدقيّة، غير أن العديد من الشخصيات السياسية والقبلية الأخرى لجأت إلى كردستان العراق أو إلى الأردن المجاور، وهي لاتطرح برنامجاً موحداً أو متماسكاً. وقد ألغى تنظيم الدولة الإسلامية، أو همّش، الفصائل غير المرتبطة به في التمرّد السني، ما أدّى إلى تضييق المجال أكثر أمام المحاورين السنّة المحتملين. وفي ظل التفكّك الهائل بين العرب السنّة - حوالى 20 في المئة منهم لجأوا إلى منطقة الحكم الذاتي الكردية وحدها بحلول حزيران/يونيو 2015 - وخضوع بضعة ملايين آخرين إلى حكم تنظيم الدولة الإسلامية، لا أحد يمتلك المكانة الكافية للتحدّث مع السلطة نيابة عن الجماعة الأوسع.
إن غياب المبادرات السياسية الواضحة من جانب بغداد لتحقيق إدماج السنّة، لايساعد على حلّ القضايا، على الرغم من أن المواضيع والمطالب كافة باتت معروفة. وقد تم التعامل مع مطالب السنّة في اتفاق أربيل لتقاسم السلطة بين المالكي و"العراقية" - وهي كتلة برلمانية متعددة الطوائف وعلمانية إلى حدّ كبير - في تشرين الثاني/نوفمبر 2010. وأعقب ذلك اتفاق أكثر تفصيلاً من 19 نقطة، ثم قائمة من 13 مطلباً محدّداً وضعتها حركة الاحتجاج السنّية في آذار/مارس 2013. كان الإصرار على إلغاء قانون مكافحة الإرهاب قاسماً مشتركاً في كل تلك المطالب، حيث كان يُنظر إليه باعتباره يستهدف السنّة على وجه الخصوص؛ وهذا إضافةً إلى إقرار قانون العفو العام، وتعديل قانون المساءلة والعدالة (اجتثاث حزب البعث)، والإفراج عن المعتقلين، وخاصة النساء؛ وإضفاء الطابع المؤسّسي على عملية صنع القرار المشترك، وخاصة من خلال مجلس اتحادي ومجلس أمن قومي، وتعديل عملية إصلاح القوانين الانتخابية لضمان التمثيل العادل، وضمان التوازن الإثني والطائفي في الجيش والشرطة ومؤسّسات الدولة كافة.
من الناحية النظرية، على الأقلّ، تملك بغداد بالفعل خريطة طريق واضحة وذات مضمون، وكل مايتعيّن عليها القيام به هو إظهار مصداقية في وضع الآليات والبدء بتنفيذ البنود الأكثر أهمية. فقد وفّر تعيين العبادي فرصة لتحديد هذا المسار. وفي حين تميّز المالكي بـ "العقلية المحافظة، وكراهية الأجانب، والمعايير القروية الضيّقة للقرابة، والخصوصية الطائفية، والهوس بالأمن، والانطوائية السرية، والسيطرة المركزية الجامدة"، يُعتبر العبادي ملتزماً بحق بالقيادة الجماعية، وإصلاح القطاع الأمني، والتعامل مع المناطق المحرومة والممثّلين المحليين، من بين أمور أخرى. ففي مقال له نُشر في كانون الأول/ديسمبر 2014، كتب العبادي قائلاً: "لايمكن تحقيق نصر دائم من دون إجراء إصلاح حكومي وتحقيق المصالحة الوطنية وإعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي"، وأورد قائمة بالإصلاحات القانونية والمؤسّسية الجديرة بالثناء التي قال إنه سيشرع فيها.
غير أن مبادرات العبادي ذهبت أدراج الرياح في مواجهة معارضة من سلفه المالكي، الذي أصبح الآن نائباً لرئيس الجمهورية، والفصائل والميليشيات السياسية الشيعية القوية. أما برنامج الإصلاح الذي تمت الموافقة عليه في آب/أغسطس 2015، فيفتقر إلى وجود آليات تنفيذية ويتطرّق بصورة غير مباشرة فقط إلى مسألة إدماج السنّة. لم يوافق البرلمان العراقي بعد على قانون المساءلة والعدالة المعدّل، ولم يتم حتى الآن تمكين هيئات الدولة التي يُفترض أنها مستقلة، مثل هيئة النزاهة واللجان الانتخابية والبنك المركزي لتكون بمثابة ضوابط على السلطة التنفيذية.
الحرس الوطني
بسبب عدم قدرتهما أو رغبتهما في التعامل مباشرة مع "المسألة السنّية"، اختزلت بغداد والولايات المتحدة المسألة بكيفية تجنيد السنّة في قوة شبه عسكرية تعتمد على القبائل لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية. ففي أيلول/سبتمبر 2014 اقترح العبادي ضم السنّة إلى "الحرس الوطني" الجديد، وأصبح الحرس يمثّل حجر الزاوية في سياسة الولايات المتحدة في العراق منذ ذلك الحين، واختباراً أيضاً لنوايا الحكومة تجاه السنّة. يعكس هذا التركيز، جزئياً، الأهمية التي يعلقها الكثير من السنّة على الدمج العسكري، وخاصة أولئك الذين كانوا جزءاً من القوات المسلحة أو مؤسّسات الدولة في عهد صدام حسين حتى العام 2003. وقد لعب رئيس الوزراء آنذاك المالكي على هذا الوتر، عبر السماح لضباط الجيش السابقين باستعادة وظائفهم في أعقاب سنّ قانون المساءلة والعدالة للعام 2008، وطالبهم بالولاء الشخصي له في المقابل. غير أن حالة الفوضى التي عانى منها الجيش في أعقاب الهجوم الذي شنّه تنظيم الدولة الإسلامية في حزيران/يونيو 2014 وإقالة العديد من القادة الذين عيّنهم المالكي في وقت لاحق، جعلت هذه وسيلة أقل فعّالية لدمج السنّة.
ومع ذلك، فإن اقتراح إنشاء حرس وطني يثير من المشاكل بقدر مايسعى إلى حلّها. فقد وافق مجلس الوزراء العراقي على مشروع قانون إنشاء الحرس الوطني في شباط/فبراير 2015، غير أن الميليشيات والأحزاب الشيعية القوية عارضت بشدّة تسليح السكان المحليين السنّة، لأنهم يشتبهون في أنهم سيتحازون إلى تنظيم الدولة الإسلامية. ووصل الأمر بكتائب حزب الله المدعومة من إيران إلى حدّ التحذير من أنها ستتعامل مع أي قوات شبه عسكرية سنّية باعتبارها مجالس صحوة تابعة للأميركيين، في إشارة صريحة إلى المتمرّدين السنة السابقين من أبناء القبائل الذين جندتهم الولايات المتحدة في 2006-2007 لمحاربة تنظيم القاعدة، مع وعد بمنحهم حكماً ذاتياً عملياً ورواتب حكومية ودعماً سياسياً. وبحلول أيلول/سبتمبر 2015، لايزال قانون الحرس الوطني ينتظر التنفيذ.
في موازاة ذلك، يتسبّب احتمال تسليح وتمويل السنّة من جانب الحكومة المركزية - أو من جانب الولايات المتحدة - في إثارة مضاعفات اجتماعية وسياسية سلبية. فالتشديد على استخدام القوة وعلى بناء قوة شبه عسكرية سنّية، يحيي الدور الاجتماعي للقبائل ويعسكر المجتمع، ويعزّز التنافس للحصول على الدعم العسكري المالي. وفي الوقت نفسه، يشكو قادة القبائل والسياسيون السنّة، الذين لجأ الكثير منهم إلى كردستان العراق أو الأردن المجاور، بصورة روتينية من نقص التمويل والتجهيز، في حين يشيرون في المقابل إلى تدفّق المساعدات الخارجية والتمويل الحكومي للميليشيات الشيعية والبشمركة الكردية. مع ذلك، يبقى السنّة حبيسي حلقة مفرغة من التبعية والتفتّت من خلال التطلّع إلى القوى الخارجية لتعزيز قدراتهم العسكرية ومكانتهم السياسية.
البُعد الشيعي
على الرغم من أن الأحزاب والميليشيات الشيعية موحّدة بشكل واضح في معارضتها لتنظيم الدولة الإسلامية، إلا أنها منقسمة في مابينها ضمنياً، وبالشدّة نفسها تقريباً كنظيراتها السنّية بشأن ماتعتبره التوجهات المرغوبة سياسيّاً للدولة العراقية في المستقبل. تتمحور إحدى نقاط الخلاف الأساسية حول العلاقات مع إيران، الأمر الذي يتجلّى بصورة إضافية في احتدام المنافسة بين حوزة النجف الدينية الشيعية في العراق وحوزة قم في إيران على الأفضلية في الفقه والسلطة السياسية. كما تنقسم الساحة الشيعية بشدّة بشأن الحكم الذاتي الإقليمي والمتطلّبات اللازمة للإدماج السياسي للسنّة، وقد فاقمت هذا الاختلاف العسكرةُ الشديدة للسياسة العراقية، مايجعل من الصعب إيجاد أرضية مشتركة مع النظراء العرب السنّة والحكومة الإقليمية الكردية.
فمن جانب، تتّخذ الشخصيات الشيعية الهامة مثل آية الله العظمى علي السيستاني، ورجل الدين مقتدى الصدر، الذي يرأس كتلة برلمانية كبيرة، وعمار الحكيم من المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، موقفاً عراقياً وطنياً. فهم يصرّون على تعزيز مؤسّسات الدولة المركزية، ويفضّلون وجود جيش موحّد على وجود قوات شبه عسكرية طائفية أو إقليمية شبه مستقلّة، ويعادون خطط الحكم الذاتي للمحافظات لأنها برأيهم تهدّد السلامة الإقليمية للبلاد، ويدعمون المصالحة مع السنّة. العبادي قريب من هذا المنظور السياسي الواسع، على الرغم من أنه وحزب الدعوة الذي ينتمي إليه (جنباً إلى جنب مع رئيس الوزراء السابق المالكي) يفضّلون إقامة علاقات وثيقة مع إيران.
في الجانب الآخر، هناك الجماعات التي تدعمها إيران مثل منظمة بدر التي لديها انتشار واسع داخل وزارة الداخلية وجهاز الأمن الداخلي؛ وعصائب أهل الحق، وهي ميليشيا منشقّة عن جيش المهدي المنحلّ التابع لمقتدى الصدر وتتمتّع بعلاقات وثيقة مع المالكي؛ وكتائب حزب الله، التي صنّفتها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية في العام 2009، والتي أنشأت سرايا الدفاع الشعبي لحشد المتطوعين الشيعة ضد تنظيم الدولة الإسلامية قبل وقت قصير من سقوط مدينة الموصل. ويعارض قادة الميليشيات مثل هادي العامري وفاضل الخزعلي عودة الولايات المتحدة إلى العراق، ويدعمون إبرام تحالف مع إيران كما يفعل المالكي.
ثمّة أشياء كثيرة في السياسة الوطنية العراقية تعتمد على توازن القوى بين هذه الجهات المختلفة، غير أن هذا التوازن يتغيّر بصورة مستمرة، مايؤدّي إلى حدوث تحولّات متكرّرة في السياسات. من الأمثلة البارزة على ذلك المواقف تجاه "الحشد الشعبي"، وهي قوات شبه عسكرية تتكوّن على وجه الحصر تقريباً من متطوعين شيعة، وتشكّلت استجابةً لدعوة من السيستاني للدفاع عن بغداد في أعقاب سقوط الموصل. كان السيستاني يرغب في الأصل أن يكون الحشد الشعبي قوة مساعدة للجيش العراقي ويخضع إلى سيطرة الدولة، غير أن الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران استثمرت في الحشد الشعبي بكثافة باعتباره وسيلة للالتفاف على رئيس الوزراء ومجلس الوزراء والبرلمان.
بيد أن تعمُّق العسكرة والاستقطاب دفعا السيستاني، على مايبدو، إلى الاصطفاف مع الحشد الشعبي علناً. ففي أعقاب استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية المفاجئ على مدينة الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار، في أيار/مايو 2015، اعترف السيستاني بالحشد الشعبي ككيان مستقل ضمن مجموعة عسكرية تضمّ أيضاً "القوات المسلحة ... ومقاتلي العشائر". وقد بدا الصدر نفسه حساساً بصورة مماثلة تجاه الحالة المزاجية للقاعدة الشعبية الشيعية، وسمح لميليشيا سرايا السلام بالانضمام إلى الحشد الشعبي، وتعهّد بالانتقام بشدة إذا تجرّأ تنظيم الدولة الإسلامية "حتى على لمس" الأماكن الشيعية المقدسة في كربلاء، بعد أن هدّد التنظيم بذلك بعد الاستيلاء على الرمادي.
علاوةً على ذلك، أدّى سقوط الرمادي إلى إضعاف العبادي، الذي تصدّر الدعوة إلى تولّي الجيش والشرطة استعادة السيطرة على المناطق السنّية من تنظيم الدولة الإسلامية والاحتفاظ بها. في السابق، وخلال معركة استعادة مدينة تكريت التي استمرت شهراً في آذار/مارس، أمر العبادي المليشيات الشيعية المدعومة من إيران بالخروج من المدينة، واستدعى سلاح الجو الأميركي لدعم الجيش، كي يثبت أنه يقف على مسافة من إيران ولينزع فتيل غضب السنّة من انتهاكات حقوق الإنسان وعمليات النهب والتدمير التعسّفي التي قامت بها الميليشيات الشيعية. وقد صوّرت الميليشيات الشيعية سقوط الرمادي باعتباره دليلاً على فشل نهج العبادي، وتبريراً لإصرارها على منح الحشد الشعبي دوراً قيادياً واستقلالاً عملياً.
يهدّد تقاطع الساحة السياسية الشيعية حول مسألة تأييد الحشد الشعبي بتعميق الانقسام الطائفي، لأنه يتناقض مع العداء الملحوظ الذي تكنّه معظم الفصائل الشيعية لتشكيل الحرس الوطني. ويخشى الكثيرون من أن الحرس الوطني سيقتصر على توفير إطار لتسليح الميليشيات السنّية التي ستسعى إن عاجلاً أو آجلاً إلى استعادة الهيمنة السنّية وإعادة شيعة العراق مرة أخرى إلى وضع مواطنين من الدرجة الثانية. معارضة السيستاني والصدر لإعادة الضباط البعثيين السابقين إلى الخدمة الفعلية، والتي نصّ عليها مشروع قانون الحرس الوطني الذي وافق عليه مجلس الوزراء في شباط/فبراير 2015، تجعلهما أكثر تماشياً في هذا الخصوص مع الميليشيات التي تدعمها إيران.
وهكذا، ومرة أخرى، يتم اختزال التحدّيات السياسية الكبرى التي تواجه الدولة العراقية في جدال حول مكانة ودور تشكيل شبه عسكري أو آخر. وهذا لايصبّ في صالح العبادي، الذي سعى إلى تمكين البرلمان بهدف تأكيد سلطة مؤسّسات الدولة المركزية وتعزيز مكانته السياسية، بينما كان يعمل بالتوازي لإحراز تقدّم داخل حزب الدعوة في مواجهة المالكي. لكن، وعلى الرغم من أن معظم الميليشيات الشيعية المتحالفة مع المالكي لديها بضعة نواب في البرلمان أو ليس لديها أعضاء على الإطلاق - باستثناء منظمة بدر، التي لديها 22 نائباً - فإنها تملك جنباً إلى جنب مع المالكي مايكفي من الأصوات لعرقلة المبادرات الكبرى في البرلمان، وأبرزها قانون الحرس الوطني، وعرقلة قدرة العبادي على التواصل مع السنّة. وبما أن المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية تضعف أهمية دور البرلمان كساحة سياسية، فإن تأثير الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران يزداد باطّراد.
تكشف إدارة العبادي للمعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية مأزقه السياسي أيضاً. فهو في حاجة إلى اتّخاذ إجراءات حاسمة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ليس بهدف حرمانه من فرصة تعزيز سيطرته على الملايين من أهل السنّة وحسب، بل أيضاً لإظهار سلطته الشخصية (أي العبادي)، واستعادة صدقيّة الجيش، وإعادة تأهيل الدولة في نظر الجمهور. غير أن عدم جاهزية الجيش، يضع زمام المبادرة في أيدي الميليشيات الشيعية، مايتيح لها الزعم بأن لها الفضل في التحرّك، فيما تتلكّأ الدولة وتراوغ.
واستشرافاً للمستقبل، ستحقق الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران مكاسب في حال غاب السيستاني البالغ 85 عاماً عن المشهد. فهو الوحيد الذي يملك المكانة الوطنية والدينية التي تمكّنه من الدعوة إلى حلّ الحشد الشعبي ودمجه في الجيش والشرطة، الأمر الذي يجب أن يحدث عاجلاً أم آجلا إذا ما أُريد للمقترحات المتعلّقة بالمصالحة مع السنّة وإعادة تأهيل مؤسّسات الدولة أن تكون ذات صدقية. غير أن الأمر الذي يزداد التباساً هو ما إذا كان السيستاني سيستخدم سلطته في هذا الاتجاه، بل وما إذا كانت الميليشيات المدعومة من إيران ستصغي له. لايوجد مرشحون محتملون لخلافته باعتباره صاحب السلطة الدينية العليا في النجف، غير أن إيران تخوض بالفعل منافسة صامتة لتحديد النتيجة. وهذا بدوره يشجّع الميليشيات الشيعية الحليفة.
التحدّيات العسكرية والأمنية
من المفارقات أن الردّ على تنظيم الدولة الإسلامية، يركّز بصورة كاملة تقريباً على التدابير العسكرية والأمنية، غير أن أي تفكير بإصلاح الجيش والشرطة قد طغى عليه تركيز مناقشات مجلس الوزراء والبرلمان والمفاوضات مع الولايات المتحدة على تشكيل ونشر القوات شبه العسكرية. ويمثّل الجهد الأميركي الجاري لبناء تسعة ألوية جديدة للجيش في غضون العام 2015 خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن لايمكن لذلك أن يحدث فارقاً دائماً إلا إذا جاء ضمن عملية إصلاح أوسع تعالج المشاكل الحرجة التي عوّقت الجيش العراقي. وحتى مع ذلك، فإن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لم ينجز تدريب سوى 9 إلى11 ألف جندي بحلول آب/أغسطس 2015.
تواصل القوات المسلحة ونظيرها قطاع الأمن (أي الشرطة والأجهزة المسؤولة أمام وزارة الداخلية) بذل الجهود لمحاولة التغلّب على الموروثات السلبية المتعدّدة من عهد صدام قبل العام 2003، وعهد مابعد الغزو الأميركي وعهد المالكي. وتبدأ هذه الموروثات بمعارضة تمكين صغار الضباط وضباط الصف وتفويض المسؤولية؛ مروراً بتضخّم عدد المنتسبين، وضعف الرقابة المدنية، وضعف الامتثال لحقوق الإنسان؛ وانتهاءً بالفساد المنظّم. ولم يقدّم العبادي حتى الآن سوى علاجات مؤقّتة، ولم يناقش الإصلاح الجذري على جميع المستويات، ناهيك عن تنفيذه. ونتيجة لذلك، يعاد إنتاج وتعزيز المنطق الطائفي والمذهبي الذي يحكم نهج بناء القوة والتجنيد، مايهدّد إما بتحويل الجيش وقطاع الأمن إلى أدوات حزبية، أو بجعلهما عرضة إلى التمزّق بصورة دائمة على أسس طائفية.
غياب إصلاح الجيش
كشف الهجوم الذي شنّه تنظيم الدولة الإسلامية في حزيران/يونيو 2014 كل عيوب الجيش العراقي الجديد الذي تم بناؤه على مدى العقد الماضي، بتكلفة وصلت إلى نحو 25 مليار دولار أميركي على شكل تدريب ومعدات بتمويل أميركي، علاوةً على مبالغ أكبر بكثير تم صرفها من الميزانية العراقية. ومع بداية العام 2015، انخفض عديد الجيش من 55 لواء مقاتلاً يضم مايقرب من 210 آلاف جندي (أرقام العام 2009) إلى 40 لواء ضعيفاً يضم حوالى 48 ألف جندي. كانت عملية إعادة تأهيل الجيش تتطلّب إعادة بناء سلك الضباط، واستعادة الهياكل القيادية الفعّالة، وإحياء الروح المعنوية لوحدات الجيش وتماسكها، والقضاء على الفساد والمحسوبية، وبناء الثقة بين الجنود وضباط الصف وبين الجيش والحكومة.
بدل ذلك، ركّزت الحكومة في بغداد والولايات المتحدة بصورة أساسية على نشر القوات في الميدان في أسرع وقت ممكن، من أجل مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية. غير أن هذا التصرّف يكرّر أخطاء منتصف العقد الماضي، عندما تخلّت الولايات المتحدة عن خطتها الأصلية لإنشاء قوة دفاع احترافية صغيرة تتكون من 40 ألف جندي، لصالح إخضاع أكبر عدد ممكن من الرجال للتدريبات الأوّلية بهدف هزيمة التمرّدين السني والشيعي اللذين كانت تواجههما. وفي الوقت نفسه، تمت مقاومة وتهميش البرامج الأميركية لتدريب أجيال جديدة من صغار الضباط وتمكين ضباط الصف، الأمر الذي كان يمكن أن يساعد في خلق ولاء عابر للطوائف في الجيش الجديد وتحويله إلى قوة قتالية فعّالة.
كانت النتيجة آنذاك عدم الاهتمام الكافي بالجودة وبالرقابة السياسية والمالية. وفي مابعد، استغل المالكي هذا الإرث المؤسّسي الضعيف لتشديد سيطرة الحكومة على الجيش ووضع الضباط الموالين له شخصياً في المناصب القيادية العليا، واستخدم الجيش لفرض سيطرته التنفيذية على الشرطة والحكم المحلّي، من خلال إنشاء "مراكز قيادة مؤقتة" تخضع إلى سيطرته الشاملة في المحافظات التي يملك فيها القادة السياسيون المتنافسون أو الكتل البرلمانية نفوذاً. في موازاة ذلك، استشرى الفساد، حيث عمد الضباط إلى شراء الرتب لضمان الحصول على تعيينات مربحة، وباعوا التجهيزات والمعدّات، وضخّموا جداول رواتب وحداتهم بجنود "أشباح" بهدف نهب الرواتب وحصص الطعام، وهي ظاهرة تشير التقديرات إلى أنها تكلّف 25 في المئة من ميزانية الدفاع سنوياً.
في محاولة منه للتعامل مع هذا الإرث، عزل العبادي 36 من كبار الضباط المتهمين بالفساد وانعدام الأخلاق المهنية في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، والذين وصفهم أحد الخبراء بأنهم "تجار برتب عسكرية"،8 وأحال 300 آخرين إلى التقاعد في نيسان/أبريل 2015. لكن غالباً ماتكون عمليات التطهير من هذا النوع بديلاً عن إصلاح الجيش وإعادة هيكلته. و بالفعل، كانت عمليات التطهير تهدف بالقدر نفسه إلى تفكيك شبكات الموالين للمالكي في الجيش ووزارة الدفاع، والتي لايزال بعضها على الأقل قائماً. وعلى غرار المالكي، عيّن العبادي جنرالات جدداً من دون موافقة برلمانية على النحو المطلوب بموجب الدستور. ولم يؤدّ الكشفُ عن أن مايصل إلى 300 ألف من الأفراد المسجّلين على جداول رواتب الجيش والشرطة كانوا من الجنود "الأشباح" أو المفقودين، إلى إجراء تحقيقات رسمية أو تحسينات في آليات الرصد.
إضافةً إلى ذلك، كان صعود القوى العراقية شبه العسكرية يعرّض مسألة إصلاح الجيش للخطر. ومن المفارقات أن الحشد الشعبي، الذي ليست له صفة قانونية، اكتسب صفة شبه رسمية ووصل عدد أفراده إلى مابين 65 و120 ألفاً، بينما لايزال مشروع قانون الحرس الوطني عالقاً في البرلمان. وكان المالكي استخدم في وقت سابق سلطاته الدستورية كقائد أعلى للقوات المسلحة لإصدار مرسوم يقضي بمنح راتب أساسي وبدل خطر وبدل طعام لمتطوعي الحشد الشعبي، غير أن العبادي وضع القوة تحت سلطته الرسمية كرئيس للوزراء في 7 نيسان/أبريل 2015. ومع ذلك، فإن قراره لايملك قوة القانون. وعلى الرغم من أن مجلس الوزراء هو الذي يوافق على ميزانية الحشد الشعبي، إلا أنه يفتقر إلى وجود قوانين تنظّم عمله وإلى هيكلية قيادية رسمية، ونُظُم عمل موحّدة، ولا يخضع إلى السيطرة العملياتية لأي هيئة عسكرية أو أمنية معتمدة.
من الناحية النظرية، يمكن أن يوضع الحشد الشعبي ضمن هيكل واحد وموحّد للحرس الوطني على مستوى العراق كله، والذي سيخضع بدوره إما إلى السيطرة الواضحة لوزارة الدفاع أو الداخلية، مع تمتّعه بولاية قانونية واضحة لدعم الجيش والشرطة في الحفاظ على القانون والنظام العام، والدفاع عن البلاد والتعامل مع حالات الطوارئ. في هذه الحالة، يتم تجنيد الحرس الوطني ونشره من خلال مجالس المحافظات، في حين يتلقّى التدريب والتسليح والميزانية من الحكومة المركزية في بغداد. والواقع أن وزير النفط ونائب الرئيس السابق عادل عبد المهدي اقترح في كانون الثاني/يناير 2015 وضع الحشد الشعبي والميليشيات السنّية الموالية للحكومة والبشمركة الكردية "تحت مظلّة الحرس الوطني".
مع ذلك، ليس من الواضح إطلاقاً ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى توافق سياسي بشأن حلّ وإعادة دمج مختلف القوات شبه العسكرية - ليس أقلها الحشد الشعبي - أو إنشاء الحرس الوطني باعتباره هيكلاً وطنياً واحداً يخضع إلى سيطرة الدولة المطلقة. ويجري الالتفاف على الجيش وتجاوزه بسبب صعود الهياكل الأمنية "الهجينة" التي تبقى ميليشيات مستقلة، على الرغم من كونها تحت الرعاية الرسمية للدولة. وهذا يبعث على التشاؤم حيال أي أمل في استخدام الجيش كأداة لإدماج السنّة أو إعادة إدماج أفراد الجيش السابقين. والواقع أنه إذا تم تأسيس الحرس الوطني بالفعل فقد يسحب المجندين السنّة من الجيش؛ وتدل التقارير أن الشيعة يشكّلون بالفعل الغالبية العظمى من مجندي الجيش الجديد.
التحدّي الأساسي الذي يواجه حكومة بغداد هو تمكين السنة والشيعة من الانضمام إلى جيش موحّد، وبعد أن يتم ذلك، قبول جميع الأوامر المشروعة الصادرة عن السلطات المدنية المكلّفة دستورياً. بيد أن هذا يتطلّب إعادة بناء الثقة، في الجيش وفي الدولة العراقية. وهنا تدل تجربة المالكي على مفارقة: فقد قام بالتوظيف الانتهازي والمختلّ لضباط من السنّة بين عامَي 2008 و2014، لكن ذلك أظهر أن الولاء السياسي يمكن أن ينجح عبر الخطوط الطائفية، وهو أمر مرغوب. غير أن الانقسامات الفعلية الحالية مابين السنّة وما بين الشيعة تضمن أن الأمور سوف تتحرّك في الاتجاه المعاكس. فمن دون وجود التزام جدّي بالتوصّل إلى تسوية سياسية شاملة تمكّن مؤسّسات الدولة وتساعدها في القيام بواجباتها الرسمية، فإن الجيش إما سيتحوّل إلى قوة متحزّبة أو يبقى عرضة إلى التفكّك على أسس طائفية وإقليمية. وستكون إعادة بناء الجيش في ظل هذه الظروف مهمة لاتنتهي أبداً.
غياب إصلاح الأمن الداخلي
جادل بعض المراقبين أن قطاع الأمن العراقي - الشرطة وأجهزة الأمن الداخلي وقوات حفظ الأمن والنظام العام الأخرى الخاضعة إلى سيطرة وزارة الداخلية - كان أفضل حالاً بكثير من الجيش في صيف العام 2014. إذ إن التماسك النسبي لقطاع الأمن، يعزّز الشعور بأنه ليس في حاجة ماسة إلى الإصلاح، غير أن هذا وهم. فهو أولاً، يتجاهل حقيقة أن القطاع كان متحزّباً على نحو سيئ، ولا يزال كذلك، وإرثه الطائفي الذي لايزال يثير مشاعر الريبة العميقة بين العرب السنّة. ثانياً، تحلّلت قوات الشرطة المحلية عموماً في المحافظات ذات الأغلبية السنّية، ولم يعد هناك سوى الفلول أو القوات التي تم إعادة تجميعها في المناطق غير الخاضعة إلى سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.
على النقيض من الجيش العراقي، الذي هو الآن هدف لعملية إعادة بناء جزئية على الأقل، لايبدو أن إصلاح قطاع الأمن مطروح على جدول الأعمال. ومع ذلك، يمكن القول إن إصلاح قطاع الأمن يشكّل حاجة لاتقلّ إلحاحاً عن إعادة تأهيل وإصلاح الجيش، وربما يكون أكثر أهمية من أجل تحقيق المصالحة السياسية الوطنية وإنجاز عملية الإدماج. ويكشف قطاع الأمن عن أسوأ ملامح إعادة إعمار الدولة العراقية بعد العام 2003: "الاستيلاء" والتسييس من جانب الأحزاب والميليشيات التي دخلت الحكومة أو تنازعت على السلطة، والتضخّم الهائل في كشوف الرواتب لأغراض المحسوبية السياسية، والفساد المستشري، واستخدام التعذيب وسواه من انتهاكات حقوق الإنسان، والإفلات الصارخ من العقاب.
في حزيران/يونيو 2004 سمحت سلطة التحالف المؤقتة بدمج الميليشيات التي عارضت نظام صدام حسين - خاصة الشيعية منها، ولكن أيضاً الكردية - في القطاع الأمني الرسمي. لم يتم حلّ وزارة الداخلية جنباً إلى جنب مع وزارة الدفاع في العام 2003، لكنها خسرت العديد من الموظفين من ذوي الخبرة، وجرت الاستعاضة عنهم بالميليشيات الوافدة التي لها مناصروها. وأصبحت الفروع المختلفة لأجهزة الشرطة والأمن تشكّل مراكز قوة لميليشيا أو لأخرى، إضافةً إلى السماح لها بالحصول على الموارد المالية وبناء المحسوبيات السياسية عن طريق وضع أتباعها على جدول الرواتب العام. وكان النمو غير المنضبط مدفوعاً أيضاً بالفرص الجديدة للفساد: شراء رتب الضباط؛ فرض الأتاوات (الخاوة)؛ تضخيم الكشوف بموظفين وهميين لنهب الرواتب؛ بيع الحصص الغذائية والمعدات والوقود؛ واقتطاع العمولات من عقود المقتنيات.
على الرغم من أن فشل القطاع الأمني لم يكن مثيراً كفشل الجيش في حزيران/يونيو 2014 - أو في الفترة الطويلة السابقة التي قام خلالها تنظيم الدولة الإسلامية بالعودة إلى الظهور ومن ثم بتعزيز نفسه - فإنه لم يكن يقلّ عنه لفتاً للانتباه. ففي الفترة بين العام 2003 ورحيل قواتها من العراق في نهاية العام 2011، أنفقت الولايات المتحدة نحو 8 مليارات دولار لتدريب وتجهيز قوات الشرطة الاتحادية والمحلية وشرطة الحدود العراقية. خلال هذه الفترة، ارتفع عديد قوة قطاع الأمن الإجمالي من 58 ألفاً في العام 2003، إلى 412 ألفاً بحلول العام 2010، وربما 650 ألفاً بحلول العام 2012.
كانت العوائد، مقابل هذه الاستثمارات والأعداد، ضحلة، إن لم تكن عكسية. ومع ذلك لم تجرِ منذ العام 2014 أي عملية إعادة هيكلة لقطاع الأمن، ناهيك عن عملية إصلاح. بل اتهمت منظمة العفو الدولية وزارة الداخلية العراقية، في تشرين الأول/أكتوبر 2014، بمواصلة التواطؤ في التستّر على عمليات التعذيب والإعدام التي تمارسها الميليشيات الشيعية. وأصدر العبادي مرسوماً في كانون الأول/ديسمبر يلزم "قوات الأمن ووزارة العدل بحماية الحقوق الدستورية والإنسانية للمعتقلين في السجون العراقية" والاحتفاظ "بسجل مركزي لجميع المعتقلين، بما في ذلك سبب اعتقالهم والجدول الزمني لمحاكماتهم. لكن منظمة العفو الدولية ذكرت مرة أخرى في العام التالي أن حكومة بغداد "واصلت احتجاز آلاف المعتقلين من دون تهمة أو محاكمة، والكثيرون منهم رهن الاعتقال السري من دون اتّصال بالعالم الخارجي. وظل التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة أثناء الاحتجاز سائداً، وكان العديد من المحاكمات جائرة".
وبالمثل، أعلن العبادي إقالة 24 من مسؤولي وزارة الداخلية، ووعد بتوفير الضمانات القضائية للمحتجزين، ولكن لم تحدث أي تغييرات هيكلية أخرى. إذ لم تحلّ الحكومة في بغداد إلى الآن وحدات الشرطة والأجهزة الأمنية التي أنشئت على أساس طائفي أو شخصي بحت على أيدي وزراء داخلية مختلفين بعد العام 2004، مثل فرقة مغاوير الشرطة الخاصة التي تخضع إلى سيطرة منظمة بدر أو مكتب الأمن والمعلومات واللواء 56 الخاص الذي أنشأه المالكي بعد العام 2008 لترسيخ سلطته.
على الجانب الآخر من الانقسام الطائفي، تبخّرت في الغالب قوات الشرطة في البلدات والمدن السنّية التي استولى عليها تنظيم الدولة الإسلامية منذ حزيران/يونيو 2014. فبعد مرور ستة أشهر، لم يُعِد أكثر من 5 آلاف شرطي تسجيل أنفسهم لدى السلطات الحكومية من أصل 24 ألف شرطي في محافظة نينوى، ولم يحضر فعلاً إلى مراكز العمل سوى جزء بسيط من هؤلاء. ومن 24 ألف شرطي في محافظة الأنبار، بقي 10 آلاف منهم فقط في مواقعهم في شباط/فبراير 2015، حتى قبل خسارة مدينة الرمادي.
ليس مرجّحاً أن يتغير الشيء الكثير. فعندما وضعت حكومة العبادي اللمسات الأخيرة على تعيين وزير جديد للداخلية في تشرين الأول/أكتوبر 2014، كان المنصب من نصيب محمد الغبان، التابع لمنظمة بدر. وقد تم تعيين خالد العبيدي، وهو ضابط سنّي سابق في الجيش من عهد صدام حسين، وزيراً للدفاع. لم يكشف ذلك عن تبنّي الحكومة لفهم ضيّق ومحلّ شكّ كبير لـ "التوازن" الطائفي في قطاع الأمن وحسب، بل وعكس اختيارها للغبان أيضاً استعدادها للتوصّل إلى حلّ وسط تتنازل بموجبه عن نفوذها طويل الأمد على الوزارة وقطاع الأمن التابع لها لواحدة من أكثر الميليشيات طائفية ولداعميها في إيران. وهذا يجعل من الصعب دحر نفوذ الميليشيات وفرض قيادة محايدة لقطاع الأمن، وهو أمر أساسي لتحفيز المصالحة السنيّة-الشيعية من جهة، وأيضاً لاستعادة دور القطاع المفترض في تطبيق القانون وتوفير الأمن والخدمات العامة لجميع المواطنين، من جهة أخرى.
خذلان مواطني العراق: دولة المحسوبية في مواجهة التحدّيات
في حين أدّى التركيز المحلي والدولي على الجهود العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، إلى إبراز أوجه القصور الشديدة التي يعاني منها الجيش العراقي وقطاع الأمن، فإنه غطّى في الوقت نفسه على فشل الدولة العراقية في توفير الخدمات الاجتماعية والتنمية الاقتصادية وتنويع الإنتاج، والبنية التحتية والأطر القانونية والتنظيمية المرتبطة بها. ونتيجة لذلك، فإن لدى العراق، الذي يملك ثالث أكبر احتياطيات نفطية مؤكّدة في العالم، بعض أسوأ المؤشّرات الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة، وهو أقل بكثير من المتوسط بالنسبة إلى الشريحة العليا من البلدان المماثلة ذات الدخل المتوسط. لكن الأخطر من ذلك هو أن الطبقة السياسية الأنانية ونظام الحكم المختلّ، خذلا المواطنين العراقيين من خلال التنمية المشوّهة، والفقر البنيوي العميق (الذي يؤثّر الآن على 30 في المئة من السكان) والبطالة، واتّساع الفوارق بين الجنسين وبين الأجيال وكذلك الفوارق الطبقية والإقليمية.
تعكس هذه الإخفاقات ظهور دولة المحسوبية في العراق على مدى العقد الماضي. فقبيل سقوطه في العام 2003، شدّد صدام حسين على الكفاءة التكنوقراطية، وأبقى الفساد ضمن أدنى حدّ ممكن داخل الجهاز الحكومي، ووسّع نطاق بيروقراطية الدولة كوسيلة لتعميم المحسوبية لتشمل الجميع في الوقت الذي ركّزها في يديه. في المقابل، كانت "دَمَقْرَطَة" المحسوبية، هي القوة الدافعة وراء تحوّل المحسوبية بعد العام 2003، حيث تنافست الفصائل السياسية المتعدّدة للحصول على المناصب الوزارية التي يمكنها من خلالها إقامة قواعد سلطة منافسة داخل الجهاز البيروقراطي وقطاع الأمن، وإضفاء الطبيعة الطائفية العلنية على نحو متزايد للسياسة، وخاصة في ظل حكومة المالكي، الأمر الذي سهّل على الفصائل المتنافسة "الاستيلاء" على مكاسبها والدفاع عنها، وتعبئة جماهيرها ضد محاولات الأطراف المنافسة مساءلتها أو المطالبة بهذه المساءلة.
في العام 2014، صنّفت منظمة الشفافية الدولية العراقَ في المرتبة 170 الأكثر فساداً من بين 175 بلداً قامت بمراقبته في كل أنحاء العالم. وقد أدّى التوظيف على أساس المحاباة والزبائنية في القطاع العام والفساد المنظّم، إلى انكماش حادّ في الاستثمار العام في البنية التحتية الأساسية؛ ومزاحمة القطاع الخاص؛ وتراجع القطاعات الإنتاجية غير النفطية، وخاصة الزراعة؛ وإضعاف نمو فرص العمل وزيادة الاعتماد على الدولة؛ والتسبّب في "هجرة الأدمغة" إلى الخارج مقابل عجز رأس المال البشري في الداخل؛ وحرمان أجزاء من البلاد من عملية التنمية. ومن غير المؤكد أن تتمكن خطة الإصلاح التي تم إقرارها في آب/أغسطس 2015 من إزاحة النظام الريعي المتغلغل.
يتعرّض نظام المحسوبية المتفشّي في العراق إلى التهديد بسبب تراجع إيرادات الدولة بنحو 40 مليار دولار في العام 2015 نتيجة الانخفاض الحادّ في أسعار النفط العالمية، مايفرض عجزاً متوقعاً بقيمة 25 مليار دولار على الموازنة العامة للدولة (أي بنسبة 25 في المئة). وبما أن الحكومة تعتمد على صادرات النفط لتأمين أكثر من 95 في المئة من الإيرادات العامة و80 في المئة من عائدات العملة الأجنبية، وتواجه احتمال انخفاض أسعار النفط لسنوات عدّة، فقد أضطرت للحصول على قروض من صندوق النقد الدولي ومنح تنموية من البنك الدولي. هذا إضافةً إلى تكلفة تقديم المساعدة إلى ثمانية ملايين شخص، والذين تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنهم في حاجة إلى مساعدات إنسانية في العراق: 2.9 مليون منهم نزحوا منذ العام 2014، ويتوقع أن يصل الرقم الإجمالي إلى 9.9 مليون بحلول نهاية العام 2015، أو مايقرب من 30 في المئة من إجمالي السكان.
خاتمة
من الواضح أنه تم التقليل بصورة فاضحة من شأن التهديد الذي يشكّله تنظيم الدولة الإسلامية قبل استيلائه على الموصل وتحرّكه باتجاه بغداد في حزيران/يونيو 2014. وتستمر كذلك الاستهانة بصعوبة المعركة التي لاتزال تنتظر العراق قبل أن يتمكّن من هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، ليس لأن التنظيم لايُقهر، ولكن بسبب المشاكل الهيكلية العميقة والإخفاقات السياسية الأساسية لمن يصطفّون ضده. الخطر الأكبر هو أن يفشل من يواجهون تنظيم الدولة الإسلامية في القيام بما يجب عليهم لإعادة بناء دولة عراقية متماسكة وشاملة.
تحتاج حكومة العبادي إلى أن تكون لها قواعد سياسية ومدنية ومؤسّسية حقيقية في المناطق السنّية إذا كانت ترغب في تعزيز المكاسب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ولا يمكن لها أن تخاطر بتثبيط توقّعات السنّة مرة أخرى، كما كان حالهم في ظل حكومة المالكي، وعليها إقامة علاقات جديدة حتى مع استمرار القتال. غير أن إعادة إدماج البلدات والمحافظات السنّية، سيتطلّب استثمارات فورية وهائلة في إصلاح وإعادة بناء البنية التحتية والإسكان، وإعادة التأهيل الاجتماعي، وتمكين السلطات المحلية والإقليمية. ولا يمكن لبغداد الاستمرار في تجاهل الاحتياجات التنموية لأفقر المحافظات العراقية، التي يقع معظمها في الجنوب الشيعي، إذا كانت تريد ضمان العدالة والحصول على التأييد السياسي لرؤيتها الخاصة بالمصالحة الوطنية والإدماج.
يجب على حكومة العبادي البدء في إظهار نجاحات واضحة، حيث فشلت الحكومات السابقة منذ العام 2003 في البدء بإعادة بناء دولة قابلة للحياة وصياغة ميثاق اجتماعي جديد، حتى وهي تواجه تهديداً وجودياً يمثّله تنظيم الدولة الإسلامية. خطة الإصلاح التي أعلن عنها رئيس الوزراء في آب/أغسطس 2015 هي البداية، لكن يجب أن يتم تعميقها وتوسيعها بسرعة. كما ينبغي على الولايات المتحدة وإيران والقوى الخارجية الأخرى دعم هذه الخطة – مع أن مثل هذا التقارب بين هذه القوى مستبعد - إذا ما أُريد للدولة العراقية أن تبدو وتتصرّف كدولة. لكن، حتى لو لم تكن الدولة العراقية متكسِّرة على نحو لم يَعُد قابلاً للإصلاح، فقد لاتملك الجهات الفاعلة المحلية والخارجية الأكثر التزاماً بإحيائها، رأسَ المال السياسي والمالي الكافي لإصلاحها.



2015-09-20

اكتب لـنـــا


بريدك الالكتروني


الموضوع


النــــص



يرجى الاشارة الى المصدر " دار بابل للدراسات والاعلام " عند الاقتباس
القائمة الرئيسية
دراســـــات وبحــــــوث
الحوار الوطني العراقي
مــــقالات
مواقف وبيانات
ثقافة وفنــون
البوم الموقـع
عروض كتـب
معطيات جغرافية
مــدن عـراقيـــــة
موجز تأريخ العراق
English articles
النفط العراقي
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة باسم - دار بابل للدراسات والاعلام ©