الرئيســـــــية اتصــــــــل بنا عن دار بابل البريد الالكتروني  
 
 
 
ترجمــــة أخبــــار خاصـــــة قضــــايا عــراقيــــة حقوق العراق السياسية والانسانية ملــفــات خاصــــة قضايا منوّعة الاخبــــــار
   برلمان العراق يصادق على قرار معاملة الأميركيين بالمثل ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: العراق يطرح سندات بمليار دولار، والضمان أميركي ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: احتياطي العراق الأجنبي يفقد 21 مليار دولار في ثلاث سنوات ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيف تم قتل 1000 جندي امريكي في السجون الكورية بدون اطلاق رصاصة واحدة ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيسنجر وشبح الفوضى في الشرق الأوسط ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: موسكو: “داعش” يصنِّع أسلحة كيميائية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: إنها أكبر... إنها أخطر ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: روسيا توسع قاعدة المشاركة لتخفيف العبء على السعودية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: «الناتو»: الساحل السوري ثالث قبّة محصّنة لروسيا في العالم! ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: الاعتقال العشوائي في العراق: أرقام مرعبة :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::  
 
ثقافة وفنون  

نحن لا نعود الى الماضي لجماله فقط ولكن للهروب من بشاعة الحاضر


بالعودة الى ذاكرة الزمن الذهبي الذي مر علينا كأنه حلم جميل، لا زلنا ونحن نراجع محتوياته العذبة نستشعر البهاء والجمال والحنين الى ما تضمنه من محطات كانت الى وقت قريب ملجأ للإنسان البغدادي الذي عاش تلك السنين والتي شملت عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي بكل عنفوانها وآلقها، وقد كنا نتصور أنها ستكون منطلقاً وقاعدة لمستقبل زاهٍ لجميع من عاش في بغداد آبان تلك الفترة الذهبية. فعلى مر الأزمنة والعصور كان البغدادي ميالاً للراحة وطلب اللهو وإجتراح اللذات والتمتع بالآداب والفنون، فتفنن في أنشاء محلات اللهو والمتعة والسهر والغناء كي يعوض بها أمسيات فصول الصيف القائظة وليالي شتاءاتها الطويلة.
وقد كانت العوائل البغدادية في العقود الماضية، تحاول أن تجد لها أماكن لهو وسهرات وأمتاع للنفوس في حين كانت العاصمة آنئذٍ تقدم للبغادة خيارات كثيرة وأماكن متعددة يستطيع الفرد أن يختار بسهولة من بينها ما يناسبه في السهر أو اللهو أو حتى الصرف.
كانت بغداد من المدن الرائدة في الشرق الأوسط بالحياة ألأجتماعية المتوازنة والحريات الشخصية ومن دون المبالغة في المجون، فكانت لا تنام ليلاً وتبقى ساهرة على أصوات البستات والمقام والغناء البغدادي وعلى طول جراديغها الممتدة على ضفتي نهر دجلة الخالد وجزراته وخصوصاً في أيام الصيف، وفي مقاهيها وملاهيها ونواديها في كل فصول السنة.

ونظراً للأعداد المتزايدة لموظفي الدولة ومؤسساتها فقد تم تأسيس العديد من الأندية الخاصة بهذه الشريحة كنوادي وزارة الخارجية والضباط الكائن في باب المعظم والمشهور بأكلة البورك والأطباء والشرطة وجمعية المهندسين وذوي المهن الطبية ونادي السكك والأعلام وغيرها الكثير. كذلك تم تأسيس نوادي خاصة لأعضاء مختارين وبطريقة الانتساب مثل نوادي المنصور والعلوية والهندية والصيد أو لطائفة معينة كنادي الهومنتمن للأخوة الأرمن، وناديي المشرق والآثوري للأخوة المسيحيين، ونادي التعارف للأخوة الصابئة المندائيين ونادي صلاح الدين للأخوة الأكراد. ثم لحقتها نوادي النقابات والجمعيات كالمحامين وألأقتصاديين والفنانين والمهندسين والأطباء والحقوقيين والأدباء والجمعية البغدادية وغيرها، وكانت هذه النوادي تستقبل الأعضاء وعوائلهم من البغادة والعراقيين دون تمييز، وكانت تفتخر بأنواع الطعام وخصوصيته الذي تقدمه، فنادي الهندية كان مشهوراً بتقديم الباجة والتشريب كل يوم ثلاثاء ...
ونادي صلاح الدين مشهوراً بالكباب الذي يقدمه وهكذا مما يجعل الكثير من غير الأعضاء فيها على انتظار الأيام التي يسمح فيها بمرافقة الضيوف للسهر وتناول أكلاتهم المفضلة مع الأعضاء من أصدقائهم ومن مختلف الأديان والملل.
كانت أجواء هذه النوادي أجواء محترمة وقبل أن تتحول الى مايخانات لبعض الأشخاص من مستهلكي فنون الكاولية في العقود الأخيرة. كما برزت وسائل أخرى للترفيه عن العوائل البغدادية والأفراد مريدي الثقافة والفنون فبرزت في بغداد جماعات الفنون التشكيلية،
كجماعة بغداد للفن الحديث للمرحوم جواد سليم، والرواد للمرحوم فائق حسن والانطباعيين للمرحوم حافظ الدروبي وغيرها، وكل هذه الجماعات ساهمت بالتطور الثقافي والفني الكبير للأجيال كافة ولحد هذا اليوم.
وكان أمام العوائل البغدادية خيار أخر ألا وهو ارتياد قاعة المسرح الوطني أو قاعة الشعب للتمتع بالمقطوعات الموسيقية العالمية لكبار الموسيقيين العالميين

أمثال بيتهوفن وموتزارت وتشايكوفسكي وغيرهم، وقد كانت الفرقة السيمفونية العراقية سبّاقة في ألأخذ بهذا النوع من الفنون لخلق أجيال تتمتع بذوق موسيقي وفني راقي.
كما كان هناك هامش لتلك العوائل أو ألأفراد لأرتياد الأماكن التي يعشقها محبي المقام العراقي كقاعة المتحف البغدادي، أو ألأستماع الى رباعي بغداد الوتري في عزف لأجمل المقطوعات الموسيقية العالمية والعراقية يتقدمهم العازفان المرحومان جميل ومنير بشير.
ولا يفوتنا هنا تذّكر عازفة البيانو العراقية الرائعة (بياتريس أوهانسيان) وعزفها المقطوعات الموسيقية المختلفة على البيانو، وقد كانت العوائل البغدادية تتطلع دوماً لحضور المسارح التي كانت تكتظ بها بغداد لمشاهدة المسرحيات التي تعرض على خشبات تلك المسارح ومن هذه المسارح نذكر مسرح المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون في الصالحية ومسرح الرشيد ومسرح البالون والمسرح الجوال ومسرح النجاح...
وقد قدمت مسرحيات عديدة لازالت في الذاكرة الى يومنا هذا منها مسرحية النخلة والجيران والخيط والعصفور وبيت الطين وأطراف المدينة وبيت وخمس بيبان والدبخانة والبستوكة ومسرحية المحطة،إضافة لما قدمته فرقة المسرح العسكري وفرقة المسرح العمالي من مسرحيات رائعة.
تأسست في بغداد ملاهي كثيرة، كان قسم منها محترماً وترتاده العوائل البغدادية للتمتع بما تقدمه الفرق الغنائية والموسيقية الأجنبية والعربية وحتى العراقية منها، كذلك فأن هذه الملاهي كانت تتنافس فيما بينها لأستقدام كبار المغنين العالميين ومن الفرق العالمية المعروفة، حيث تم استقدام فرق (بوني أم) و (فور كاتس) و (فور أم لعزت أبو عوف وشقيقاته ألأربع).
ومن المطربين العالميين المشهورين الذين غنوا على خشبات هذه الأماكن المطرب اليوناني العالمي (ديمس روسيس) الذي أطرب الجمهور البغدادي في ملهى الطاحونة الحمراء والكائن بطريق معسكر الرشيد والتي كانت تمارس فيه عروضها ألفنية أيضاً الفرقة البولونية.
كما أن ملاهي ألأمباسي وملهى بغداد وألأوبرج الشتوي والصيفي وسيليكت والأريزونا وليالي الصفا ومطعم المطعم والذي كان يغني فيه طوال سنين عديدة وفي مكان منه شديد الأناقة فريق الروك اللبناني (ذا نيوز)، حيث تلخص أغنيتهم المشهورة (Tear Drops) أو قطرات الدموع نجاح هذا الفريق الغنائي وحب الشباب البغدادي له كون أن ألأغنية المذكورة تقترب ألحانها من كثير من ألأغاني البغدادية الشرقية.
كانت هذه الأماكن ملاذاً للعديد من محبي الطرب والكيف وملاحقة ما هو جديد من الأغاني ألأجنبية والذين كانوا يرتادونها هم من طلبة الكليات والتجار والضباط وغيرهم، وكان القانون يمنع من هم دون سن الحادية والعشرون من أرتياد الملاهي والبارات وكان القانون يطبق بشدة، علماً أن هذه الأماكن كانت تغلق في أيام المناسبات والشعائر الدينية احتراما لمعتقدات العامة من الناس.
وبرز كذلك ملهى حمورابي الكائن في بداية قناة الجيش شرقي بغداد بإدارة السيد (حامد سليمان) وكان هذا المكان يوفر جواً عائلياً رائعاً ترافقه قائمة طويلة من أشهى أنواع ألأطعمة الشرقية والغربية والتي جذب بها زبائنه من مختلف أنحاء بغداد مع تقديم موسيقى ورقصات ترفيهية لبعض الفرق العراقية.
وكانت العوائل البغدادية والأفراد يرتادون العديد من المطاعم الراقية والمتميزة بجودة وتخصص طعامها الذي تقدمه لزبائنها، ومن أهمها مطعم فوانيس والمتخصص في الكاري والستيك بالفلفل وطبق المشويات الشهير..
وتاج محل للأكل الهندي ودنانير الي كانت تسميته سابقا مطعم البرمكي ومطعم ستراند المتخصص بالطرشي المكبوس في البيوت وألأناء الذهبي ومطعم الشموع ومطعم فاروق في الحارثية والغريب وقرطاج وقيراط قرب السفارة الألمانية وألأيطالي والصيني والهندي ومطاعم الفنادق الكبرى ألأخرى التي شيدت أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات كالشيراتون وفلسطين ميرديان وميليا منصور ومطعم فندق بغداد.

أما المطاعم الشعبية فقد برز منها الكثير ولكن أهمها كان مطعم شباب الكرخ، حيث تقام ولائم الأعراس وكذلك مطعم الشمس ومطعم نواقيس والسعدون المتخصص بالكريم جاب وأبو علي تاجران ومطعم أبو حقي في سوق الصفافيرومطعم الحاتي للباجة في الشيخ عمر وأبن طوبان في الكرخ وأبن سمينة وكبة السراي وكباب ألأخلاص في شارع المتنبي وعلي شيش في ساحة النصر وغيرها الكثير لمن لا يقدر على أرتياد المطاعم غالية الثمن.
كما أنتشرت في بغداد وفي مناطقها المختلفة مطاعم الوجبات السريعة فبرز مطعم أبو يونان، ويعتبر أبو يونان من الشخصيات التي تركت أثراً واضحاً في التراث البغدادي خصوصاً وهو السبب الرئيس في أنتشار أكلات كانت غريبة على المجتمع العراقي...
كالكص والهمبركر، أسمه الحقيقي (بطرس عوديش) وأشتهر بأبو يونان صاحب أشهر مطعم وأفران للصمون ألأوتوماتيكي في العراق وهي (أفران بابل الأوتوماتيكية) أبتدأ عمله في منتصف الخمسينيات في كشك صغير في منطقة العلوية مقابل بريد العلوية وكان هو وزوجته يصنعان الهمبركر بأيديهما، ورغم وجود العديد من المطاعم التي تقدم الهمبركر وبأسعار أقل من أسعار أبو يونان، إلا أن الأكثرية كانت تتناول همبركر أبو يونان بسبب نظافته وأضافته للبصل وبعض أنواع التوابل التي يحرص على الانفراد بها، إضافة الى حسن معاملته للزبائن مما أكسبه شهرة كبيرة وكان الأقبال عليه شديداً، وبعد سنوات بدأ أولاده يديرون الكشك ثم أشتروا قطعة ألأرض القريبة من الكشك والتي تقع بين ساحة كهرمانة وساحة الفتح في شارع السعدون وشيدوا عليها عمارة تحتوي على مطعم أبو يونان وفرن بابل للصمون الأوتوماتيكي أو كما يعرف في العراق بالصمون الفرنسي.
وفي الستينيات من القرن الماضي أفتتح أبو يونان أول مطعم للشاورما (ألكص) في بغداد، وأصبح هو أول من يدخل هذه الأكلة الى المجتمع العراقي حيث كان يقدم هذه الأكلة الشهيرة في مطعمه قرب بدالة العلوية، وفي العام 1968 تم أفتتاح الفرع الثاني في شارع الرشيد في ركن صغير من بناية دائرة الكمارك والمكوس والتي هدمت فيما بعد بسبب أنشاء جسر السنك الحالي وهذا الفرع أو المطعم هو الذي أعتدنا على أرتياده بعد خروجنا من مدرسة التربية ألأسلامية للتجول في شارع الرشيد...
وأوروزدي باك ثم ننهي الجولة عند مطعم أبو يونان بلفة كص أو همبركر، كانت لفة الهمبركر ب 50 فلساً ولكن أبو يونان كان يبيع الهمبركر ب 60 فلساً أما سعر لفة الكص فكان 40 فلساً ثم رفعها الى 60 فلساً وهو مبلغ ليس بالهين في ذلك الزمن إذا ما عرفنا أن سعر وجبة الباجة كان سبعين فلساً وأن شيش التكة والكباب كانا ب 20 فلساً، مما دفع بعض ضعاف النفوس من أصحاب المطاعم الى بث الإشاعات ومحاربة أبو يونان للحد من شهرته، فنشروا بين العامة إشاعات بأنه يصنع الهمبركر والشاورما من لحم البعير في محاولة منهم للتأثير على أعداد الزبائن الذين يقصدون مطعم أبو يونان ولكن جاءت ألأمور بصورة معاكسة حيث تعاظمت شهرة مطعم أبو يونان ليصبح حديث كل الأوساط بما فيهم المسؤولين الذين كانوا يحرصون على تناول الهمبركر والكص من مطعم أبو يونان وكان الحصول على سندويج الكص والهمبركر بالطابور وكان يقدم معهما اللبن وقناني الكولا والعصائر الطبيعية، وفي نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبلا مقدمات تم غلق المطعم وأختفى أبو يونان الذي كنا نشاهده في المطعم ولم نعد نسمع عنه شيئاً حاله حال بقية المرافق الجميلة التي تركت في نفوسنا أعذب الذكريات وتمتعنا فيها بأحلى الأوقات.
وفي المنصورأفتتح مطعم Mansoor Meeting والذي كان ملتقى العشاق والشباب وقد أغلق بعد فترة لعدم الموافقة على ألأسم التجاري له كما أن شركة ماكدونالدز ألأمريكية أعترضت هي الأخرى لنفس السبب، بإعتباره تقليداً لأسمها التجاري، ومطعم (ويمبي) مقابل ساحة سباق الخيل في المنصور والذي حمل أسم (وهبي) بعد تعريب ألأسماء ألأجنبية للمحلات في بغداد ومطعم (21) ومطعم فيتامين وعمو الياس ومطعم الساعة في شارع 14 رمضان ومطعم الجندول...
ومطعم (أبو أسعد) في شارع الخيام للوجبات الباردة مثل المخ والروست واللسان والدولمة بالزيت والجلفراي وهناك أيضاً مطعم (أبو سمير) الشهير ويقع في نفس المنطقة ويقدم أيضاً المأكولات الشعبية وهو أول مطعم يدخل أكلة الفلافل الى العراق ومطعم كوخ دجاج الكائن في العلوية وكانت الدجاجة الواحدة تباع حينئذٍ بسعر (350) فلساً وغير تلك ألأماكن الكثير.
كما لا ننسى مطاعم الهواء الطلق التي تقدم المشويات والكبة والتي تنتشر على مساحات ومناطق واسعة من بغداد في الكرخ والأعظمية والكاظمية والكريعات والفضل والكسرة وباب الشيخ والكرادة.


ولا يفوتنا أن نذكر أن شواطيء نهر دجلة الخالد كانت على الدوام ملاذاً للعوائل التي ترتاد المطاعم التي أقيمت في أبي نؤاس وكذلك في منطقة الكريعات وعلى كورنيش العطيفية والتي أصبحت متنفساً للعوائل بكافة مستوياتها وخاصة السمك المسكوف الأكلة البغدادية الشهيرة.
أما البارات التي كانت تقدم المشروبات الكحولية فقد كانت بغداد تمتليء بهذه البارات التي تقدم الراحة لطالبيها بعد عناء يوم عمل مضني أو يوم دراسة متعب وطويل ومن هذه الأماكن مطعم وبار كناري قرب ساحة النصر والعش الذهبي والميناء وفرج...
وشريف وحداد وسولاف والجندول وكاردينيا الشتوي والصيفي وسرجون والدار البيضاء وليالي بغداد وبرج بغداد وآسيا وسلومي وبوران والسويس والعاصمة وعمو الياس وفيتامين ونادي المهندسين بالقرب من ساحة ألأندلس..
ونادي الجباة في باب المعظم وهو مخصص للجباة والسائقين العاملين في مصلحة نقل الركاب ..ونادي الدورة لموظفي وزارة النفط وجبهة النهر قرب جسر ألأحرار وعند الظهيرة القائظة كانت هناك حانتي رومانس والركن الهاديء وتقعان في شارع سينما الخيام ومصايف لبنان الكائن في ساحة كهرمانة وغيرها كثير.
أما إذا رغبت العائلة البغدادية بقضاء سهرة خارج البيت لمشاهدة أحد الأفلام العربية أو ألأجنبية، فقد تواجدت صالات متعددة تزخر بها العاصمة بغداد وبلغت أوج عصرها الذهبي خلال تلك العقود الثلاثة، ومن أهمها سينما النصر وسمير أميس وبابل والخيام وغرناطة والنجوم وأطلس وسينما الوطني وريكس وروكسي وميامي وعلاء الدين وسينما بغداد وزبيدة والرصافي والأعظمية والبياع وسينما ريجينت في الصالحية والبيضاء في بغداد الجديدة.
كان أغلبها يعرض أفلاماً هادفة ودرامية تلبي أذواق العوائل، حيث كان هناك موعد عرض خاص للعوائل يبدأ عند الساعة9:30 مساءً كي تتجنب فيه العائلة أية مضايقات وأن تنعم براحة كاملة في متابعتها للأفلام المعروضة. وكانت أغلب العوائل تعود الى بيوتها سيراً على الأقدام للتمتع بليالي بغداد الساحرة، ومما يؤشر أن حالة الأمن التي كانت سائدة آنذاك أنعكست على المدينة ومحلاتها وشوارعها وأهلها.
ولا ننسى أيضاً أن العوائل البغدادية كانت تتجه الى حدائق ومتنزهات كثيرة منتشرة في بغداد العاصمة ومنها بارك السعدون وحلبته التي كان الشباب والشابات يتزحلقون عليها مرتدين أحذية خاصة ذات دواليب، ويعد متنزه بارك السعدون الواقع وسط بغداد، من المتنزهات القديمة المعروفة بحدائقها الغنّاء الجميلة وأشجارها الباسقة وأزهارها المتنوعة الزاهية، وصفه البغادة ب (جنة بغداد) حيث كان يمثل لهم متنفساً ومكانا للترفيه والترويح، يتمتعون بمناظره الخضراء الخلابة، وبأجوائه الهادئة الساحرة. ويعود تأريخ بارك السعدون الى الثلاثينيات من القرن الماضي.
أنشأته السلطات البريطانية ليكون مكانا ترفيهيا مريحا ترتاده عوائل الخبراء الإنكليز العاملين في بغداد آنذاك، ويتكون من أربع حدائق كبيرة متداخلة، كل حديقة تتميز عن ألأخرى بأشجارها وزهورها،
حيث زرعت بشكل هندسي زراعي جميل، فيه تجد أشجار الصنوبر والرارنج (الكباد) والنخيل والسدر (النبك) وتمر الهند كما وزرعت شجيرات الياس والياسمين وورود الجوري والقداح والدفلة بأنواعها المتنوعة الملونة الجميلة، وتتوزع المساطب الخشبية المخصصة للجلوس والمطلية باللون ألأخضر في أرجاء حدائق المتنزه... وتوجد ساحات دائرية واسعة مبلطة بالسمنت وسط إحدى الحدائق ذات عمق تكاد تكون أشبه بالجفرة تملأ أحيانا بالماء، خصصت لألعاب الدراجات الهوائية والنارية وتنتشر أعمدة الكهرباء في المتنزه لتضيء أرجاءه أوقات الليل، أضافة الى وجود أنابيب المياه بنوعيها الصافي والخابط. لقد بقي متنزه بارك السعدون يزهو بحلته القديمة الجميلة ومناظره الخضراء الخلابة لفترة طويلة وكان سكنة محلات بغداد القديمة القريبة منه يرون فيه بمثابة (رئة بغداد) يرتادونه في مناسبات الأعياد ويقضون فيه أجمل وأسعد الأوقات، حيث يجدون فيه الراحة والمتعة، فالعوائل البغدادية تتوافد اليه مع أطفالهم للتمتع بالألعاب الترفيهية التي كانت تنصب قبل أيام الأعياد كالمراجيح ودولاب الهواء وركوب الحمير والخيول والدراجات الهوائية، أضافة الى ذلك فقد وفر بارك السعدون أماكن مناسبة ومريحة للتلاميذ والطلبة للقراءة والدراسة وخاصة في الأيام التي تسبق الامتحانات المدرسية والجامعية.
وعلى جانبي شارع قناة الجيش التي شيدت أوائل الستينيات لتصريف مياه الأمطار عن بغداد والتي كانت ترتادها العوائل وخاصة في مناسبات أعياد الربيع ونوروز، وعلى أديم متنزه الزوراء والذي كان قبلا يضم معسكر الوشاش، وكذلك زيارات مدينتي الألعاب شرقي بغداد وفي منطقة البياع أو حديقة الحيوانات العائدة لمصلحة السكك الحديدية في منطقة العلاوي.
أما إذا أرادت العوائل قضاء يوم تقتل به حر الصيف القائظ الذي يجتاح بغداد في الصيف، فأن جموع العوائل تتوجه في سفرات الى بحيرة الحبانية ومدينتها السياحية التي بنيت في سبعينيات القرن الماضي أو الى بحيرة الثرثار أو الى بحيرة ساوة في مدينة السماوة أو الى بحيرة الرزازة في كربلاء أو الى منطقة الصدور في ديالى ...
أو الى منطقة المدائن، حيث طاق كسرى أو لزيارة قبر الصحابي الجليل سلمان الفارسي أو الى بساتين منطقة الراشدية القريبة من بغداد أو الى منطقة سامراء حيث الملوية الشهيرة، وكان هناك من يتوجه للأصطياف في ربوع شمال العراق حيث المناظر الساحرة والطبيعة الخلابة والجو المعتدل.


ولا يفوتنا ذكر أن أغلب العوائل البغدادية الميسورة كانت تقيم حفلات ودعوات وقبولات في بيوتها وعلى حدائق تلك البيوت خلال فصل الصيف من أجل أن تجتمع العوائل ببعضها ببعض وخاصة في فترة الخمسينيات من القرن الماضي حيث كانت الأماكن قليلة أو أن هذه العوائل كانت معتادة لهكذا نوع من النشاطات الأجتماعية. كما بتنا نشاهد زوارق كبيرة تجوب مياه دجلة الخالد وهي مكتضة بالركاب من الراغبين بالسياحة النهرية وسماع أغاني بعض المطربين على إيقاع نغمات موسيقية ساحرة تعزف ألحانها الشجية فرق موسيقية خاصة لأمتاع الركاب في أجواء خلابة وجميلة.كما كانت مناسبات ألأعراس هي الأخرى مجالاً واسعاً كي تتنفس من خلالها العوائل البغدادية نسيم الراحة والفرح والتمتع بأجواء عائلية بحتة، وتقام هذه الدعوات عادة في النوادي المتخصصة أو في القاعات الكبيرة التي تتسع لمئات من المدعوين تتخللها أغاني لمطربين ومطربان ورقصات لراقصات كذلك ..
وتختتم عادة بعشاء فاخر يضم مختلف ألأطباق البغدادية الشهيرة كالقوزي والدولمة والكبة بأنواعها وأنواع المرق والمشويات والسمك المسكوف وتنتهي بالحلويات والمرطبات غير متناسين أقداح العصائر والمشروبات الغازية التي تقدم للمدعوين.
ولا زلت أذكر أن أغلب العوائل البغدادية كانت تخرج من دورها بإتجاه كورنيش أبي نؤاس أو كورنيش ألأعظمية أو العطيفية أو الكاظمية وخاصة أيام ألأعياد والمناسبات الرسمية للتمتع بأجواء تلك الليالي الساحرة والحميمية...
وتتخلل هذه المناسبات أطلاق ألألعاب النارية وتبدأ المسيرات للمراكب النهرية المزدانة بالأضوية والألحان الرائعة وكانت هذه المناسبات تضيء سماء بغداد وقد شاهدناها أول مرة خلال ستينات القرن الماضي عند ألأحتفال بذكرى 14 تموز.
ولازال أهالي بغداد عند نفس عاداتهم في أرتياد الأسواق وخاصة أيام الجمع من كل أسبوع، فترى الكرخيين منهم يرتادون شارع الرشيد والتمتع بمأكولات العربة التي كانت تخرج من مطعم عمو الياس ويديرها بائع يرتدي اللباس ألأبيض الأنيق والنظيف وشرب اللبن مع الكيك من محل (ستراك) الكائن في السنك، أما المعاظمة فقد كانوا يمرون على محل الحاج زبالة لشرب شربت الزبيب ويعرجون على سوق السراي للتمتع بأكلة كبة السراي الشهيرة،
ومن ثم زيارة سوق الغزل المتخصص بعرض وبيع الحيوانات الحية والطيور واسماك الزينة، أو الذهاب الى شارع المتنبي أو سوق الكتب للاطلاع على أحدث الإصدارات المعروضة على جنبات الشارع أو في مكتباته العامرة لاسيما وأن القول ينطبق كثيراً على العراقيين في أن القاهرة تؤلف ولبنان تطبع والعراق يقرأ.

وقسم يذهب للتبضع من أوروزدي باك أول مول في الشرق ألأوسط أو أسواق حسوأخوان الذي كان من الأسواق المتميزة آنذاك في بغداد لما يحتويه من محلات وبضائع ترضي جميع الأذواق وكذلك محل الازياء الشهير "بابيت" والذي شمله قرار التعريب واصبح يحمل اسما لا معنى ولا دلالة له بحيث انني من الصعب ان اتذكره الان وانا المعروف بذاكرة تحفظ حتى التفاصيل الصغيرة ."بابيت" مرة اخرى ولكن بعد ان تبدلت الملامح والعادات والنفوس والازمنة، "بايبت" كان اكثر من مكان لبيع الازياء المستوردة الفاخرة على الرغم من تبدلات "قسرية" طرأت عليه مع التشديد على ان تكون منتجات معامل الخياطة الحكومية من بين معروضاته فهو ملتقى النخبة الاجتماعية البغدادية، و"بابيت" كان علامة مميزة لأجمل ما اشتريت من ثياب، لاسيما ان ما كنت اوفره من مال نهاية كل عام دراسي جامعي وما كنت اكسبه من عملي في العطلات الصيفية ،يجعلني قادرا على الدخول بثقة الى المحل الفاخر واقتناء ما احب من قمصان وبدلات احيانا،ليس غريبا ان اطل على مشهد اثير من بغداد يوم كانت تحتفي بالحياة، ليس غريبا ايضا ان استعيد ذلك المشهد المترف الذي مثله"بابيت" وفي حين لف الغبار والنسيان والصمت مكانا منتميا لبهجة الحياة مثل"بابيت" ،كان المكان شاهداً على مدينة تضمحل فيها الحياة لتصبح عاصمة الغبار والعدم. أو غيرها من الأسواق المتخصصة التي تعرض أخر الأزياء والمقتنيات المنزلية.

أما الرجال فقد كانوا يرتادون المقاهي المتخصصة أو العامة حيث وجدت في بغداد المئات من المقاهي منها الرصافي والشهبندر والبرازيلية والبرلمان والمميز والتجار وأبو القاسم والقبطان والبيروتي والريف العربي و14 رمضان في ساحة الشهداء ومقهى العاني ومقهى محمد القيسي الكائنة في أبي نؤاس وذلك لقتل الوقت في لعب الطاولة أو الورق أو في مناقشات سياسية وادبية أو لعقد صفقات تجارية، وبصورة عامة فأن مئات من المقاهي تنتشر على طول الخارطة الجغرافية لبغداد سواء تلك التي تشرف على شوارعها وساحاتها الرئيسية أو في داخل ألأزقة والمحلات البغدادية المختلفة.
وتشتهر بغداد، كما أسلفنا بكونها أكثر العواصم العربية بعدد المقاهي الموجودة فيها، ويقدر عددها في مطلع القرن العشرين بأكثر من 250 مقهى، وتتصف هذه المقاهي بمواصفات متشابهة عدا القلة منها كمقهى البرازيلية الشهيرة في شارع الرشيد والتي تخصصت بتقديم القهوة لزبائنها خلافاً لبقية المقاهي التي كانت تقدم الشاي فقط، كما أن زبائنها كانوا من الطلبة والطبقة المثقفة والراقية في المجتمع البغدادي.
ومن المقاهي المتميزة التي أسست في بغداد في سبعينيات القرن الماضي كانت (كافيه بغداد) والتي أختير مكانها في منطقة العلوية وبالتحديد في الجهة المقابلة لفندق دار السلام وشغلت بضعة محلات من شركة (فورد تاونس) العائدة لبيت عريم التي أقفلت معرضها الواسع جداً بعد تأميم كل الشركات الخاصة الكبرى في العام 1964. كانت المقهى المذكورة تتكون من باب زجاجية للدخول وكانت تعتبر في تلك الفترة من الأمور الحديثة، وفيها ثلاث مناطق للجلوس وأرائكها كانت منجدة من الجلد لأضفاء أقصى درجات الراحة للجالسين وزودت بمناضد زجاجية ولأول مرة توضع المناديل الورقية بحاويات خاصة جلبت من لبنان.
كما جهزت المقهى بمكائن القهوة الجاهزة (ألأكسبريس) والكاباتشينو والعصائر المختلفة إضافة الى ألأطعمة الخفيفة مثل الهمبرجر والكريم جاب والستيك والسندويج بأنواعه، إضافة الى تقديم (الدوندرمة) الآيس كريم مع تقديم المشروبات الكحولية (البيرة فقط).
كانت هذه الكافيه تستقبل الشباب من الجنسين وبشكل كثيف وتجدها مزدحمة دائماً بطلبة الجامعات وخاصة أوقات الظهيرة لكونها المتنفس الجديد للمدينة وفيه نوع من الحرية والحداثة غير المعهودتين سابقاً وخاصة وأن أنطلاق الحريات الشخصية ألأجتماعية كان قد بدا في بداية السبعينيات من القرن الماضي.
وكانت أغلب العوائل العراقية والبغدادية بشكل خاص تجد ضالتها بالترفيه النفسي والذهني بزيارة مراقد ألأئمة ألأطهار والتي تنتشر في ربوع العراق، ونبدئها بمرقد السيد أدريس في الكرادة حيث كانت المساحة المحيطة بالمرقد فضاءً كبيراً وليست هناك منازل أو شوارع تحيط بالمرقد لذلك كانت السيارات الناقلة للزوار تسير بحرية، كما كانت المساحة التي تحيط بمرقد السيد أدريس مكانا لتجمع الناس والأطفال ويقضون فيه أجمل وأمتع الأوقات ويطلق على هذه الزيارات للأمكنة ب (الكسلات) ولا يعرف مصدر الكلمة أو معناها، إلا أنها كانت شائعة أيام زمان، فعندما يروم أحدهم أصطحاب عائلته الى بارك السعدون أو السيد محمد (ع) يقول : ( والله رايح للكسلة) وهي كلمة لا تعني مكانا ولا موقفاً بل تسمية ربما أخذت على ما يعتقد من فسحة راحة النفس، أو مأخوذة من كلمة (الكسل) بعيداً عن العمل او الانشغال بأمور الحياة. وقد عرفت بغداد بهذه الكسلات ألأربع في العقود الماضية وتوزعت بين معالم آثارية ومراقد الأئمة والأولياء الصالحين، وأبرزها كما أشير اليه:
بارك السعدون، ومرقد السيد محمد (ع) وفي سلمان باك في المدائن لأصطحاب الأطفال حديثي الولادة لقص شعورهم تبركا بمقام هذا الصحابي الجليل. وكذلك زيارة مرقدي الأماميين علي الهادي وأخيه الحسن العسكري في مدينة سامراء ثم مرقد السيد محمد في مدينة بلد، ومرقد ألأمام موسى بن جعفر في منطقة الكاظمية

ومرقد وجامع ألأمام ألأعظم في ألأعظمية ومرقد وجامع الشيخ عبد القادر الكيلاني في منطقة باب الشيخ ثم تتوجه العائلة العراقية لتأدية مراسم الزيارة لأضرحة آل البيت ألأطهار في الكوفة والنجف وكربلاء، وبالنظر لعدم وجود حالة من التمايز في زيارة ألأضرحة فقد كانت العوائل تزور قبور ألأنبياء كالعزير في العمارة والكفل في الحلة والنبي يونس والنبي شيت في الموصل.
كذلك كانت العوائل تتبرك بتقديم النذور وخاصة في كنائس ودور عبادة أهلنا المسيحيين، وبهذا التصقت تسمية دار السلام على مدينة بغداد مما وفر أجواء الطمأنينة والسكينة على كافة الطوائف والملل التي سكنت هذه المدينة العظيمة ومارست فيها شعائرها بكل حرية.
ومن الأماكن التي تركت آثارها على الأجيال اللاحقة وطبيعة مطاعمها هو مطعم المشوار الكائن في المنصور، ويعتبر واحداً من أهم المطاعم في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، وقد أرتاده الشباب من كل صوب وحدب في بغداد يغص بهم الى ساعة متأخرة من الليل، مكانه في أول ركن في المنصور للقادم من صوب نصب أبي جعفر المنصور وبعد ألأسواق المركزية مباشرة.
والمطعم كله وقوف لا مجال للجلوس إلا لمكان صغير جداً وهو مزدحم كثيراً دائماً، وكان سبب ألأزدحام على مطعم المشوار يرجع لسببين السبب الأول:
أنه كان يحوي شاشة تلفزيونية ضخمة في قياس ذلك الزمن وهي بحدود 32 بوصة ومكانها حائط جانبي يمكن أن يشاهدها أي شخص في المطعم، وتعرض فيها أحدث ألأغاني ألأجنبية الملونة، في وقت لم يكن من الممكن مشاهدتها في أي مكان أخر. والسبب الثاني: هو عدم وجود مثل هكذا أماكن في بغداد ولكونه يقع في منطقة المنصور المكتظة بالشباب دوماً. ومن أشهر الأغاني التي كانت تعرض آنذاك هي أغنية dance little lady dance للمغنيةTina Charles، ومازال طعم لفات الشاورما والهمبرجر باقياً في الفم منذ ذلك الحين ودندنات تلك الأغنية ترن في الأذن بين الحين والأخر، أنهما طعم وذوق لا أظنهما سيزولان ... وربما للأبد.

الدكتور علي الوردي


2015-05-19

القائمة الرئيسية
دراســـــات وبحــــــوث
الحوار الوطني العراقي
مــــقالات
مواقف وبيانات
ثقافة وفنــون
البوم الموقـع
عروض كتـب
معطيات جغرافية
مــدن عـراقيـــــة
موجز تأريخ العراق
English articles
النفط العراقي
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة باسم - دار بابل للدراسات والاعلام ©