الرئيســـــــية اتصــــــــل بنا عن دار بابل البريد الالكتروني  
 
 
 
ترجمــــة أخبــــار خاصـــــة قضــــايا عــراقيــــة حقوق العراق السياسية والانسانية ملــفــات خاصــــة قضايا منوّعة الاخبــــــار
   برلمان العراق يصادق على قرار معاملة الأميركيين بالمثل ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: العراق يطرح سندات بمليار دولار، والضمان أميركي ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: احتياطي العراق الأجنبي يفقد 21 مليار دولار في ثلاث سنوات ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيف تم قتل 1000 جندي امريكي في السجون الكورية بدون اطلاق رصاصة واحدة ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيسنجر وشبح الفوضى في الشرق الأوسط ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: موسكو: “داعش” يصنِّع أسلحة كيميائية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: إنها أكبر... إنها أخطر ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: روسيا توسع قاعدة المشاركة لتخفيف العبء على السعودية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: «الناتو»: الساحل السوري ثالث قبّة محصّنة لروسيا في العالم! ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: الاعتقال العشوائي في العراق: أرقام مرعبة :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::  
 
دراسات وبحوث  

طائفية تنظيم الدولة الإسلامية: الجذور الإيديولوجية والسياق السياسي


مقدمة
إيديولوجية تنظيم الدولة الإسلامية متعدّدة الوجوه ولايمكن أن تُعزى إلى فرد واحد أو حركة أو حقبة واحدة. وبالتالي، يُعدّ فهمُها أمراً ضرورياً لإلحاق الهزيمة بالتنظيم.
تسعى مختلف القوى في أرجاء منطقة الشرق الأوسط إلى دحر تنظيم الدولة الإسلامية الذي استولى على أراضٍ في العراق وسورية في العام2014 . لكن بغضّ النظر عن أداء هذا التنظيم الجهادي على المستوى العسكري، لاتزال إيديولوجيته تطرح تحدّياً على المدى الطويل. فهي متعدّدة الوجوه ولايمكن أن تُعزى إلى فرد واحد أو حركة أو حقبة واحدة. وبالتالي، يُعدّ فهمُها أمراً ضرورياً لإلحاق الهزيمة بالتنظيم.
إيديولوجيا هجينة
يقدّم تنظيم الدولة الإسلامية نفسه باعتباره ممثّل الإسلام الحقيقي الذي اعتنقته الأجيال الأولى من المسلمين (السلفية)، وهو يستند خصوصاً إلى تيّار متزمّت من السلفية يُعرف بالوهابية.
لكن من الإفراط في التبسيط توجيه اللوم إلى إيديولوجيا بعينها باعتبارها مسؤولة عن تطرّف تنظيم الدولة الإسلامية، ذلك أن تطرّفه نتاج تهجين بين السلفية العقائدية وبين تيارات إسلامية أخرى.
يعتمد تنظيم الدولة الإسلامية على كتابات جهادية لمنظّرين يدعمون موقفه، وأخرى لرجال دين لايؤيدون التنظيم رسمياً. ويتبنّى رجال الدين هؤلاء مجموعة من الأفكار التي تنحرف كثيراً عن إسلام التيار السائد، كما أن العديد منهم ورثة مباشرون للصحوة الإسلامية، وهي حركة فكرية دينية انطلقت بصورة جدّية في سبعينيات القرن الماضي.
مزجت حركة الصحوة بين المفاهيم السلفية وبين أفكار ثورية مستوحاة من الإسلام السياسي بالمعنى الواسع، إلا أنها كانت أساساً تيارات متأثّرة بجماعة الإخوان المسلمين. وقد أدّى هذا التزاوج إلى حدوث انقسامات أنتجت تيارات دينية جديدة لايمكن التنبؤ باتّجاهاتها.
أفسحت السلفية المُنقادة سياسياً المجال لظهور تيار التكفير السياسي. وتحمل هذه الإيديولوجيا راية الخلافة والجهاد والثورة على الحاكم.
يشكل تنظيم الدولة الإسلامية جزءاً من المدارس والأفكار التكفيرية التي خرجت من رحم تنظيم القاعدة، غير أن الجمود الإيديولوجي للدولة الإسلامية يبدو بارزاً. لذا، يؤدّي رفضه الانصياع إلى خلق ثقافة تكفيرية داخل التيار التكفيري نفسه.
الإيديولوجيا في الممارسة
يروّج تنظيم الدولة لإيديولوجيا سياسية، ولرؤية تصنّف وتكفّر نظرياً سائر المسلمين.
يبرع التنظيم في تنمية واستغلال الانقسامات الطائفية الحاصلة في الشرق الأوسط. ويستخدم الكراهية الطائفية والمفاهيم الدينية لتجنيد أعضاء جدد وتبرير أفعاله، أو لتعزيز التعاطف معه وتحييد القوى التي تنبذه. وقد أثبت التنظيم أنه قوي على وجه الخصوص في المزايدة على تنظيم القاعدة في مايتعلّق بتجنيد أعضاء جدد.
يستخدم التنظيم مؤلّفات رجال الدين لتبرير تكفير المملكة العربية السعودية والحكام المسلمين في أرجاء الشرق الأوسط، ولدعم رفض المؤسّسات والقوى الرسمية.
يقدّم رجال الدين مبرّرات للوحشية التي يمارسها تنظيم الدولة الإسلامية، ولا سيما ضدّ المسلمين الآخرين. كما يورِد التنظيم قصصاً تعود إلى بدايات التاريخ الإسلامي لتبرير ممارساته الوحشية أمام المجنّدين الجدد.
منذ أن اكتسح تنظيم الدولة الإسلامية مناطق شاسعة في شمال غرب العراق وشرق سورية صيف العام 2014، انطلقت مناقشات حول أصول إيديولوجيته الطائفية الموغِلة في التطرّف في المنطقة وخارجها.1 فقد أطلق سبي مئات النساء الإيزيديات في سنجار، وذبح ما لايقل عن 1500 جندي من الشيعة في تكريت ومئات من رجال العشائر السنّة في سورية والعراق، وقطع رؤوس الرهائن الغربيين والمدنيين السوريين والعراقيين، مراجعات ذات سرعان ماتحوّلت إلى لعبة لوم دينية وسياسية. وقد لخّص معلّق سعودي على هذا النقاش بدقّة عبر تويتر قائلاً: "إن ما تقوم به داعش هو خلاصة مادرسناه في مناهجنا الدراسية، فإن كانت المناهج سليمة فداعش على حق وإن كانت مخطئة، فمن يتحمّل مسؤولية الأجيال؟!"
إن فهم الجاذبية الإيديولوجية لتنظيم الدولة الإسلامية أمرٌ ضروري لإلحاق الهزيمة به. وقد أكّد كبار القادة العسكريين الأميركيين مراراً على أهمية الإيديولوجيا في محاربته. قال اللواء مايكل ناغاتا، وهو قائد سابق لقوات العمليات الخاصة الأميركية في الشرق الأوسط: "نحن لانفهم هذا التنظيم، ولن نتمكن من إلحاق الهزيمة به إلا حين نفهمه". وأشار قادة ميدانيون يقاتلون تنظيم الدولة الإسلامية في سورية أيضاً إلى أن الإيديولوجيا تعيق الجهود الرامية إلى حشد القوات ضدّه. ويرفض المقاتلون المسلمون غالباً حمل السلاح ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية لأسباب دينية، حتى لو كانوا يرفضون الانضمام إليه. وينطبق ذلك بصفة خاصة على الجهود التي تدعمها القوى الغربية. وبالتالي، يمكن للإيديولوجيا أن تترك تداعيات عملية على الحرب ضدّ هذا التنظيم الدولة.
تختلف الآراء حول الجذور الفكرية لعنف وصدامية تنظيم الدولة الإسلامية. إذ يقول البعض إن هذه الجذور تمتدّ إلى الأجيال الأولى من المسلمين. ويعزو آخرون صعود التنظيم ووحشيته إلى غزو العراق في العام 2003، ودور إيران المتنامي في دعم الميليشيات الشيعية في المنطقة. ويشير بعض المعلّقين عموماً إلى الإسلام السياسي باعتباره الحاضنة لتعصّب تنظيم الدولة الإسلامية، في حين يقلّصه البعض الآخر إلى مجرّد كيان تحرّك طائفيتَه الانتهازيةُ السياسية التي تؤجّجها القوى السياسية الإقليمية.
الواقع أن إيديولوجيا تنظيم الدولة الإسلامية متعدّدة الأوجه، ولا يمكن أن تُعزى إلى شخص واحد أو حركة أو حقبة واحدة. والاعتماد على عناوين الكتب والمؤلفات التي يستخدمها التنظيم، يمكن أن يشوّه فهم إيديولوجيته، لا توضيحها. من المهم بدلاً من ذلك، أن ندرس عن كثب كيف يختار التنظيم أفكاره ويفهمها ويعلّمها.
لاتؤدّي السلفية والإسلام السياسي وحدهما إلى إنتاج عضو في التنظيم، أو يحفّزان على التطرّف. بل على العكس، لدى السلفية والإسلام السياسي ضمانات قد تمنع نوع التطرّف الذي يعتمده تنظيم الدولة الإسلامية. وبالمثل، لايدفع الغضب السياسي أو الأخلاقي وحده الناس للانضمام إلى التنظيم. فقد ازدهرت الدولة الإسلامية المُعلَنة ذاتيّاً في سياق من القمع السياسي وإخفاقات الحوكمة والتصدّعات الطائفية، غير أن هذا السياق السياسي نفسه يمكن أن يدفع الأفراد، وكثيراً ما يفعل، للانضمام إلى مجموعات متمرّدة ذات آراء معتدلة.
تستطلع هذه الورقة إيديولوجيا تنظيم الدولة وطائفيته في هذا السياق، بالاعتماد على مصادر أساسية وشهادات مباشرة من رجال دين وأعضاء في تنظيم الدولة في سورية والعراق. كما تناقش موضوعات أوسع لها صلة بفكر التنظيم بهدف شرح أصول رؤيته العنيفة والإقصائية. وإلى أن يتم تبديد وهم أن فكر التنظيم يُعزى بصورة مباشرة إلى السلفية، لن يتمكن العالم من فهم سرّ جاذبيته، أو إلحاق الهزيمة به.
الجذور الوهابية للتنظيم
يقدّم تنظيم الدولة الإسلامية نفسه كممثل حقيقي للإسلام كما مارسته الأجيال الأولى من المسلمين، المعروفة باسم السلفية. وتصف العديد من الحركات الإسلامية من مرحلة مابعد الاستعمار ومرحلة الحداثة نفسها بأنها سلفية، بما فيها الطبعة الرسمية من الإسلام التي تتبنّاها المملكة العربية السعودية المعروفة باسم الوهابية، والتي سُمّيت تيمّناً بمؤسّسها محمد بن عبد الوهاب، وهو رجل دين عاش في القرن الثامن عشر وساعد في تأسيس الدولة السعودية الأولى التي أقامها محمد بن سعود.
الوهابية هي الإرث الفكري لِعالم الدين الإسلامي الذي عاش في القرن الثالث عشر تقي الدين بن تيمية والمذهب الحنبلي، كما فسّرها وطبقها ابن عبد الوهاب وخلفاؤه. ترفض الوهابية، التي تتميز بالتقليدية والحرفية الشديدة، المفاهيم الخاصة بعلم الكلام مثل المقاصد (روح الشريعة)، وهو المبدأ الذي تتمسّك به العديد من المذاهب الإسلامية الأخرى؛ والكلام (الفلسفة الإسلامية)؛ والصوفية (الروحانية الإسلامية)؛ والعلل (دراسة المقاصد الدينية في القرآن والحديث). والمجاز (الاستعارة).
يستخدم رجال الدين الوهابيون أيضاً مفهوم البدعة – وهو مصطلح إسلامي يحرّم ابتداع ممارسات دينية لايقرّها الدين - لوصف العديد من الممارسات الصوفية والشيعية عموماً، باعتبارها شركاً. غير أن تركيز رجال الدين الوهابيين على البدعة يخلق منحدراً زلقاً يؤدّي في بعض الأحيان إلى وصف مسلم آخر بأنه مرتدّ. ويُعتبر اتخاذ الأولياء أو قبورهم وسيلة (وسائل أو وسطاء) لعبادة الله، على سبيل المثال، أمراً يؤدي تلقائياً إلى خروج الفرد من ملّة الإسلام. كما يُعتبر الطواف حول القبور، أو ذبح الأضاحي باسم الولي، أو الاعتقاد بالسلطة الإلهية للأئمة أيضاً ممارسات شركية. وبينما يتفق مسلمو التيار السائد على أن البدع محرّمة في الدين، يذهب رجال الدين الوهابيون خطوة أبعد بإسباغهم تهمة البدعة على العديد من الممارسات التي يعتبرها المسلمون الآخرون جائزة، معتمدين على موقف ابن تيمية المتشدّد. كما يرفض رجال الدين الوهابيون ادّعاءات الصوفية والشيعة بأن هذه الممارسات لايُقصد بها العبادة.
اقتبس تنظيم الدولة إلى حدّ كبير من الوهابية قانون الجزاء الذي أُضفي عليه الطابع المؤسّسي في المملكة العربية السعودية، والذي يمارَس بصورة أقل منهجية في الدول الإسلامية الأخرى. ومع ذلك، قد يكون مفهوما الولاء والبراء (الولاء للإسلام والتنكّر للأساليب غير الإسلامية) والتوحيد (وحدانية الله) أكبر مساهمة من الوهابية في تنظيم الدولة الإسلامية. وفي حين أن هذين المفهومين موجودان في السلفية التقليدية كما صاغها ابن تيمية وغيره من العلماء الأوائل، فقد فسّرهما رجال الدين الوهابيون، وروّجوا لهما، وذهبوا بهما إلى درجات متطرّفة.
وفقاً لمفهوم الولاء والبراء، لايكفي للمسلم أن يبغض الممارسات غير الإسلامية وغير المسلمين؛ بل ينبغي على المسلمين الحقيقيين رفض الممارسات غير الإسلامية وغير المسلمين بنشاط وبكل جوارحهم. وقد عكس ابن عبد الوهاب هذا المبدأ عندما كتب قائلاً: "الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض". بالنسبة إلى تنظيم الدولة الإسلامية، ينطبق هذا الواجب بالتصرف بصورة تنمّ عن العداوة، على إخوانهم المسلمين الذين لايستوفون معايير التوحيد من خلال الإقرار بوحدانية الله.
يتمثّل أحد المبادئ الأساسية للإسلام، كما بشّر به ابن تيمية، في أن على المسلم الالتزام بمعايير التوحيد الثلاثة: أن يعبد الله، وأن يعبد الله وحده، وأن يكون على العقيدة الصحيحة على النحو الذي حدّده القرآن أو السنّة النبوية.15 وقد اعتمد ابن تيمية على معايير التوحيد الثلاثة لتكفير الشيعة والصوفية بعد أن أثبت أن ممارساتهم ومعتقداتهم، بما في ذلك تقديس الأئمة، تسيء إلى عبادتهم لله وحده.
وتشهد المناطق التي غزاها تنظيم الدولة الإسلامية هدم رموز الشرك (ممارسات الشرك) بصورة منتظمة، وخاصة أضرحة الصوفية والشيعة والمواقع التاريخية التي تشير إلى ألوهة. وبعد الاستيلاء على مدينة ما، يطلق رجال الدين في تنظيم الدولة عادة حملة ضد مايعتبرونه ممارسات شركية، بما في ذلك الخرافات والكهانة. وتتجذّر العقيدة التي يروّج لها التنظيم داخل المجتمعات التي يسيطر عليها رويداً رويداً، لأن الكثير من الأفكار التي يبشّر بها تنظيم الدولة الإسلامية تعتمد على مدارس فكرية إسلامية راسخة.
وبسبب هذه المعتقدات، ركّزت دراسة إيديولوجيا التنظيم الجامدة والعدائية والطائفية على الوهابية. ولأن التنظيم يستشهد أو يبشّر بمؤلفات رجال الدين السلفيين والوهابيين، خَلُص بعض الباحثين إلى أن التنظيم هو أحد تجلّيات تلك الأفكار. لكن من الإفراط في التبسيط إلقاء اللوم على السلفية والوهابية في تطرّف تنظيم الدولة الإسلامية.
إيديولوجيا هجينة
يمكن النظر إلى الإيديولوجيا المتطرّفة لتنظيم الدولة الإسلامية، على أنها نتاج عملية تهجين بطيئة بين السلفية العقائدية وبين التيارات الإسلامية الأخرى.
تضرب الكثير من المفاهيم الدينية المتطرّفة التي تدعم إيديولوجية تنظيم الدولة بجذورها في معركة الأفكار، التي يمكن فهمها بصورة أفضل في سياق حركة الصحوة السعودية في سبعينيات القرن الماضي، وحركة مماثلة في مصر، وكذلك في بلدان أخرى. في تلك الدول، أنتج التفاعل بين الأفكار العقائدية السلفية وبين النشاط السياسي الإسلامي الموجّه من جانب جماعة الإخوان المسلمين تيارات لايزال صداها يتردّد إلى اليوم. والواقع أن وتيرة امتزاج السلفية والإسلام السياسي لجماعة الإخوان تسارعت في أعقاب الانتفاضات العربية في العام 2011، وملأت الفراغ الذي كان قائماً، عندما فشلت المؤسّسات الدينية التقليدية في الاستجابة كما يجب لتطلّعات وتظلّمات الجماهير العربية. وقد اقتنص تنظيم الدولة الإسلامية، إلى جانب غيره من الجماعات الإسلامية والجهادية، الفرصة لفرض رؤيته الخاصة حول دور الإسلام.
في المملكة العربية السعودية ومصر، أنتج تلاقح السلفية التقليدية والإسلام السياسي أشكالاً جديدة من السلفية التي تأثرت بكلتا الحركتين وانتقدتهما، فأصبح الإسلام السياسي أكثر تحفظاً، فيما تسيّست السلفية.
جرى في كثيرٍ من الحالات، إعادة تفسير وتكييف واستخدام المفاهيم السلفية بصورة جوهرية، على يد جيل جديد من المفكّرين أو المنظّرين الدينيين الذين بدأوا يتماهون مع الحركة الجديدة. وفي المملكة العربية السعودية، ابتعد جيل الصحوة عن المدرسة النجدية، الاسم المُعتمد للمؤسّسة الدينية الوهابية.
طغت ممارسة التكفير بشكلٍ مطّرد، أولاً خلال ستينيات القرن الماضي، في مصر ومن ثم بعد حرب الخليج الأولى في تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأ قدامى المحاربين في أفغانستان بتكفير المملكة العربية السعودية، بسبب استضافتها ودعمها للقوات الغربية التي جاءت لمحاربة الرئيس العراقي آنذاك، صدام حسين.
بدأت السلفية الخاضعة سياسياً العلمية (كما يُطلق عليها)، والتي رفضت التمرّد السياسي، تفسح المجال أمام التكفيرية السياسية التي حملت راية الخلافة والجهاد والتمرّد. وفي الوقت نفسه، أدّى تنامي نفوذ المُثُل السلفية إلى سلفنة"تسلّف" جماعة الإخوان المسلمين.
ومعروفٌ أن سيد قطب، وهو منظّر إسلامي وعضو قيادي في جماعة الإخوان المسلمين المصرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، اعتمد على المفاهيم السلفية لتأسيس إيديولوجيا تكفيرية شاملة. قال قطب إن المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة تعيش في حالة من الجاهلية. وكان يعتقد أن كل الإيديولوجيات، بما فيها الرأسمالية والشيوعية والقومية العربية، باءت بالفشل، وأن الإسلام هو النظام الوحيد الذي سينجح في العالم. كما اعتبر أن الإسلام هو المرجع الوحيد للمجتمع (المعروف باسم الحاكمية أو سيادة الله)، وحثّ الشباب المسلمين على رفض مجتمعاتهم وقيادة التغيير.
قدّمت القطبية إيديولوجيا سياسية تطرح فكرة التفوّق الإسلامي والقومية الإسلامية، وترفض العديد من جوانب المجتمع الإسلامي والأنظمة السياسية الحديثة. وهي أخذت الأفكار المحافِظة وشكّلتها لتكون بمثابة أسسٍ لإيديولوجيا سياسية لاتتعاطف البتّة مع الآراء التي تحيد عن فهم سيد قطب لنمط الحياة الإسلامية. وتُعدّ هذه الإيديولوجيا انطوائية، وتعطي الأولوية إلى التهديدات الداخلية قبل التهديدات الخارجية.
تشكّل المفاهيم التي تُنسَب إلى سيد قطب مثل الحاكمية والجاهلية، أسلوب تعاطي تنظيم الدولة مع الطوائف الدينية والعرقية التي تخضع إلى سيطرته. ويعتقد تنظيم الدولة أن على السكان المحليين أن يعتنقوا الإسلام الحقيقي، وأن في وسع المسلمين أن يتّهموا بعضهم البعض بالردّة من دون التقيّد بالمعايير الدينية التقليدية، التي تنصّ على سلسلة من الإجراءات للتحقّق من ردّة المتهم. ويؤمن التنظيم أيضاً بالفكرة القطبية التي تقول إن المسلمين انحرفوا بصورة جوهرية عن الرسالة الحقيقية للإسلام، وأن تصحيح هذا الانحراف سيتطلب ثورة راديكالية قسرية. وكما قال أحد أفراد تنظيم الدولة لكاتب الورقة: "إذا كنت تعتقد أن الناس سيقبلون المشروع الإسلامي طواعية فانت مخطئ، يجب أن يُفرض عليهم أولاً. الفصائل تعتقد أن بمقدورها إقناع الناس وكسبهم ولكنها مخطئة. لديك مشروع جاهز، رَكِّبْه على المجتمع كالتاج على السنّ واحرص على رعايته بعد ذلك".
وفقاً للباحث المصري حسام تمام، أثّرت جماعة الإخوان المسلمين على السلفية عبر قناتين على الأقل. الأولى هي أفكار سيد قطب، متمثّلةً بمنظّرين مثل عبدالله عزام، الفلسطيني المولد وقائد الجهاد في أفغانستان، والثاني هو محمد سرور، السوري المولد والقيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين. أسفر تأثير سرور عن ظهور تيار وسط بين السلفية السعودية والسلفية الجهادية. ويمكن تمييز هذا التيار في صفوف الجماعات السورية المتمرّدة التي كانت تشكل الجبهة الإسلامية حتى العام 2015، في مجموعة رجال الدين المعروفة باسم "المجلس الإسلامي السوري"، وإلى حدّ ما، في جبهة النصرة، الجماعة التابعة لتنظيم القاعدة في سورية.
تحوّلت السلفية، شيئاً فشيئاً، من حركة دعوية إلى عقيدة سياسية. فقد قال سرور، في مقابلة مع صحيفة القدس العربي التي تصدر في لندن، إن التيار الذي يحمل اسمه قد "نقل السلفية من عالم إلى آخر" و"أسقط أسطورة ولي الأمر [الطاعة العمياء لحكام المسلمين] وضرورة احترامه".
أدّى تأثير السلفية على الإسلام السياسي والعكس بالعكس إلى نتائج متفاوتة، يشير إليها معتنقوها بالسلفية الحركية. في المملكة العربية السعودية ومصر، ذهب بعض من تبنّوا أنماطاً من هذه الأفكار إلى الجهاد في أفغانستان؛ وشمل ذلك على وجه الخصوص أسامة بن لادن. وصرّح عدد كبير من الجهاديين المعاصرين أنهم تأثروا بالإسلام السياسي إلى جانب تأثرهم بالسلفية، بمن فيهم أبو محمد المقدسي، الذي يمكن أن يُطلَق عليه الأب الحقيقي لتنظيم الدولة الإسلامية. وهو منظّر أردني من أصل فلسطيني كان مرشداً لأبو مصعب الزرقاوي، مؤسّس التنظيم في العام 2004 عندما كان يُعرف باسم تنظيم القاعدة في العراق. لم يلتقِ المقدسي بأسامة بن لادن قطّ، لكنّه درّس في معسكرات التدريب التابعة لتنظيم القاعدة.
غيّرت طليعة السلفية الحركية المفاهيم السلفية، ولم تقتصر فقط على اقتباسها. فقد دمج شقيق سيد قطب، محمد، والذي غالباً مايُعرف بأنه مؤسّس الصحوة، معايير التوحيد الثلاثة لدى ابن تيمية، وأضاف معياراً رابعاً أطلق عليه توحيد الحاكمية. وشكّل هذا المعيار الرابع مساهمة حاسمة في الصحوة والفكر السلفي- الجهادي عموماً. وقد اقتبس رجال الدين الجهاديون المصطلح القرآني "الطاغوت" وبنوا عليه إيديولوجيا كاملة: إذ تم اعتبار حكام العالم الإسلامي مرتدّين، وبناءً على ذلك، فإن المسلم الذي يعمل لصالح الحاكم، من رجال الدين إلى موظفي الخدمة المدنية، يمكن أن يكون هدفاً مشروعاً. كما وُصِفت الديمقراطية بأنها دين والمؤسّسات الديمقراطية بأنها "مواطن للردّة"، وفق مقال على موقع "ديلي بيست".
يختلف تنظيما الدولة الإسلامية والقاعدة على المستوى الفكري، غير أن الأول لايزال يعتمد بشكل كبير على الأدب الجهادي الذي يستخدمه تنظيم القاعدة. ويفتقر تنظيم الدولة الإسلامية إلى الموارد الدينية، مثل الأدعياء الملتزمين داخل وخارج المناطق التي يسيطر عليها، لتطوير مدرسته الجهادية، مايعكس طائفيته الشديدة.
أنتج تلاقح الأفكار الذي ساعد على تشكيل جيل القاعدة في تسعينيات القرن الماضي، الحركات الإسلامية الأكثر محافظة التي تنشط سياسياً، من دون أن تؤيد الجهادية العنيفة أو القتل العشوائي أو الإبادة الجماعية. ودعا مفكرون دينيون مثل الكويتي حاكم المطيري، على سبيل المثال، إلى تبنّي أفكار سلفية تقدمية، بما في ذلك الديمقراطية التعدّدية، مستشهدين بمراجع سلفية. وأكّد أتباع سرور على عقيدة التوحيد السلفية، بينما انتقدوا بشدّة المفهوم السلفي لطاعة القادة المسلمين، على الرغم من أنهم ظلّوا ملتزمين بالسلطات السنّية التقليدية.
دمجت المدارس التي ظهرت نتيجة التأثير المتبادل بين السلفية وبين الإسلام السياسي الجوانب العقائدية والعلمية للسلفية بالنشاط السياسي لجماعة الإخوان المسلمين والمفاهيم الثورية. ووفّر مفهوم سيد قطب للحاكمية والأفكار الإسلامية الأخرى المكوّنات السياسية والفعالة للصيغ الهجينة الجديدة، في حين وفّرت الوهابية والسلفية التقليدية أساسها الفقهي والعقائدي.
على الرغم من أن تداخل السلفية والإسلام السياسي أدّى إلى نتائج متباينة، إلا أن معظم هذه المحصّلات تعكس سمة أساسية من سمات السلفية: وهي نزوعها الضيق إلى تحديد من هو مسلم. وهذا يجعل السلفية طائفية تقريباً بطبيعتها. وفي الوقت نفسه، يحفّز الإسلام السياسي أتباعه ويوفّر لهم عقيدة سياسية تحبّذ الحكم الديني، وتطبيق الممارسات الدينية ونمط الحياة الإسلامي. وقد أوضح ستيفان لاكروا ذلك، في كتابه Awakening Islam، قائلاً: "في المسائل الفقهية المرتبطة بالعقيدة والجوانب الرئيسة للفقه الإسلامي، تمسّك [جيل الصحوة] بالتقاليد الوهابية واعتبروا أنفسهم ورثتها المخلصين. ولكن في المسائل السياسية والثقافية، اقتربت نظرتهم إلى العالم من نظرة جماعة الإخوان المسلمين، على الرغم من إعادة صياغتها جزئياً بمصطلحات مستمدة من التقاليد الوهابية".
يدمج تنظيم الدولة الإسلامية أفكاراً مثل الولاء والبراء والردّة مع قانون جزاء ديني لتشكيل فكر سياسي ونظرة تصنّف وتكفّر فعلياً مسلمين آخرين. وبهذا المعنى، تبدو الأفكار الدينية الثورية المستمدة من الإسلام السياسي جوهرية في إيديولوجيا تنظيم الدولة كحال الأفكار الأصولية.
الفكر التكفيري في أقصى حدوده
يشكّل تنظيم الدولة الإسلامية جزءاً من إرث المدارس والأفكار التكفيرية التي خرجت من رحم تنظيم القاعدة. لكن مع أن تنظيم الدولة الإسلامية كان مرتبطاً في السابق بالقاعدة، إلا أنهما افترقا على المستوى الإيديولوجي. وبالتالي، فإن عقد مقارنة بين رؤية تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة، وملاحظة المحطات التي تباينت فيها مساراتهما، يساعدان في تسليط الضوء على تطور الإيديولوجيا الطائفية للدولة الإسلامية.
ترجع الخلافات بين تنظيمَي القاعدة والدولة الإسلامية إلى المواجهات المبكّرة بين أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي. فقد اختلفا عندما كانا في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، كما يحصل بين خلفائهما اليوم، حول استخدام العنف المُفرط واستهداف المدنيين الشيعة. وفقاً لتنظيم الدولة الإسلامية، فإن ألدّ أعداء الإسلام هم أعداء الداخل. ويُجادل التنظيم بأن التركيز على العدو البعيد (الغرب) وتجاهل العدو القريب (الأعداء المسلمون في المنطقة، وخاصة الشيعة) عديم الجدوى. وبموجب رؤيته، سيتم استدراج العدو البعيد إلى المنطقة، كما خطط أسامة بن لادن، ولكن من خلال مهاجمة العدو القريب. والواقع أن هذا السيناريو تكشّف منذ سيطر مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة الموصل في شمال العراق في حزيران/يونيو 2014، واستدرجوا أكثر من 60 بلداً إلى خوض المعركة ضدّه.
أتاحت حرب العراق في العام 2003 المجال أمام الزرقاوي لنشر رؤيته الطائفية. ذلك أن الروابط العائلية العابرة للطائفية في العراق جعلت هذه البلاد في السابق مقاوماً للطائفية إلى حدٍّ كبير. مع ذلك، نجح أتباع الزرقاوي في إشعال فتيل حرب أهلية بعد تفجير مرقد الإمام العسكري الشيعي في سامراء في العام 2006. وأصبحت الأفكار المتطرفة التي جلبها تنظيم القاعدة إلى العراق بعد العام 2003 راسخة، عندما تطورت جماعة الزرقاوي الجهادية إلى حركة محلية تحت قيادة أبو عمر البغدادي، الذي حكم الدولة الإسلامية في العراق بين 2006-2010، وخلفه أبو بكر البغدادي، الذي يقود التنظيم حالياً.
بالنسبة إلى تنظيم القاعدة، قد يصرف هذا التركيز على الشيعة الانتباه عن المعركة ضد الغرب. كما يرفض رجال الدين السنّة في التيار السائد اتخاذ موقف يؤيد الإبادة الجماعية تجاه عوام الشيعة. وقد حذرت القيادة المركزية للقاعدة تنظيمَ الدولة الإسلامية (ورموزه السابقة) من مغبّة مهاجمة المدنيين الشيعة. ويُقال إن بن لادن كان يفضل إقامة تحالف بين الجماعات الشيعية والسنّية من شأنه مهاجمة الغرب معاً.
وفقاً لرسالة نشرتها وزارة الخارجية الأميركية، حثّ الزرقاوي بن لادن على التركيز على الشيعة. إذ كتب قائلاً: "فإن وافقتمونا عليه [استهداف الشيعة]... فنحن لكم جند محضرون... وإن بدا لكم غير ذلك، فنحن أخوة، ولايفسد الخلاف للودّ قضية". وانتقد القادة الحاليون للدولة الإسلامية الموقف الليّن لتنظيم القاعدة، كما يصفونه، تجاه الشيعة.40 ففي أيار/مايو 2014 قال المتحدث باسم تنظيم الدولة، أبو محمد العدناني، إن القاعدة تعمّدت تجنّب المواجهة مع إيران والشيعة.
في أيلول/سبتمبر 2013، تناول زعيم تنظيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري موقف التنظيم من الشيعة في رسالة تم نشرها على الملأ في العام 2015، وأشار فيها إلى أسباب دينية وعملية ليتجنّب استهداف عموم الشيعة وأماكن العبادة. كتب الظواهري، مستشهداً بابن تيمية، بأن "هذه الأفعال تصيب دماء معصومة، لأن دماء النساء والأطفال وعوام الشيعة غير المقاتلين معصومة باعتبارهم معذورين بالجهل [أي جهل العقيدة الدينية الحقيقية، على عكس رجال الدين الشيعة]. فهذا هو قول أهل السنّة في عوام الشيعة وجهالهم".
نأى تنظيم القاعدة بنفسه رسمياً عن الدولة الإسلامية في شباط/فبراير 2014. وعموماً، فشل تنظيم الدولة الإسلامية، خارج الأراضي التي يسيطر عليها، في كسب تأييد أي من منظّري التيار الجهادي البارزين، باستثناء عدد قليل من رجال الدين الجهاديين. وانتقد معظم منظّري التيار الجهادي أعمال العنف العشوائية التي يرتكبها التنظيم ونزعته الطائفية. وقد وصف أبو محمد المقدسي، معلّم الزرقاوي السابق، التنظيم بأنه "منحرف"، وانتقد عمليات قطع الرؤوس العلنية وتنفير المجتمعات المسلمة المحلية والجماعات المسلحة في سورية.
يمكن تمييز الابتعاد الإيديولوجي لتنظيم الدولة الإسلامية عن تنظيم القاعدة بوضوح من خلال نظرته وأفعاله تجاه رجال الدين والزعماء الدينيين. إذ يبرز جمود إيديولوجيا تنظيم الدولة الإسلامية حتى في الميدان الجهادي المعروف بالتزمّت. ذلك أن رفضه التنازل يخلق ثقافة تكفيرية داخل التيار التكفيري، تمنع إظهار أي نوع من اللين.
في مقابلة عبر الفيديو نُشرت على الإنترنت في تشرين الأول/أكتوبر 2013، شرح سامي العريدي- المسؤول الشرعي العام في جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة - بعض الأفكار التي تميّز تنظيم الدولة الإسلامية عن الجماعات الجهادية الأخرى، بما فيها تنظيم القاعدة. وعلى النقيض من تنظيم الدولة الإسلامية، استشهد العريدي برجال الدين الوهابيين في التيار السائد باعتبارهم علماء شرعيين، مثل مفتي المملكة العربية السعودية عبد العزيز آل الشيخ، وعالم الدين البارز عبد العزيز بن باز. وأشار إلى أن تنظيم القاعدة يتمسّك بالمذاهب السنية الأربعة للفقه، وهو أكثر توافقاً مع رجال الدين المسلمين من تنظيم الدولة، وغالباً مايناقشهم.
في المقابل، يعتبر تنظيم الدولة الإسلامية رجال الدين عاملاً رئيساً في استمرار وجود الحكومات المستبدّة وغير الشرعية في العالم الإسلامي، ويعتقد أن اللجوء إلى التبيُّن ضروري أحياناً لتحديد ما إذا كان الشخص مسلماً حقيقياً. ووفقاً للعريدي، يعتبر تنظيم الدولة المسلم كافراً على أساس الشكّ المبني على الحدس والتبعية والغموض.
ووفقاً للتنظيم، يتلقّى المسلمون العاديون تعليمهم الديني من رجال دين موالين لحكّام مسلمين فاسدين يُديمون الهيمنة الغربية. وعليه، يعطي الأولوية للمعركة ضد رجال الدين والحكام، قبل المعركة ضدّ الغرب.
تتميّز الرؤية الطائفية لتنظيم الدولة الإسلامية أيضاً بالميل إلى التركيز على السنّة (سنّة النبي) باعتبارها جزءاً لايتجزأ من الإيمان، مايمثّل خروجاً عن رجال الدين في التيار السائد، الذين ينظرون إلى السنّة باعتبارها ممارسات ثانوية غير مُلزِمة تعزّز الإيمان لا أكثر. ويرى تنظيم الدولة الإسلامية أيضاً أن الشخص الذي يلتزم بهذه السنن يكنّ الاحترام للنبي، والذي لايلتزم بها عديم الاحترام له. وفي شباط/فبراير 2014، كتب أبو مارية القحطاني، الذي شغل منصب المسؤول الشرعي العام لجبهة النصرة قبل أن يحلّ العريدي محلّه، أن تنظيم الدولة الإسلامية دمج هذه السنن في الفقه الإسلامي، وغيّر شروطها من كونها "طوعيّة" و"مستحسنة" إلى كونها "إلزامية" و"واجبة".
اشتهر هذا الرأي أيضاً بين أتباع جهيمان العتيبي، وهو متطرّف سعودي استولى على المسجد الحرام في مكة المكرمة مع أتباعه في تشرين الثاني/نوفمبر 1979، وأعلن أنه المهدي. ووفقاً لأبي محمد المقدسي، يصلّي أتباع العتيبي في كثيرٍ من الأحيان في المسجد وهم ينتعلون أحذيتهم، ويخلعونها عند خروجهم من المسجد، حيث قيل إن النبي محمد فعل ذلك أحياناً. غالباً مايرفض رجال الدين في التيار السائد مثل هذه الممارسات باعتبارها علامات على افتقار تنظيم الدولة الإسلامية للمؤهلات الدينية، غير أن هذه الممارسات التجديدية تمثّل للتنظيم دليلاً على الالتزام بالتقاليد السنّية الأصيلة.
يُعدّ تنظيم الدولة الإسلامية صارماً أيضاً في تطبيق مفهوم نواقض الإسلام السلفي. وتشكّل هذه النواقض مجموعة من الشروط التي يعتقد السلفيون العقائديون أن على جميع المسلمين التقيّد بها. وقد حصر مؤسّس الوهابية النواقض في أعمال عشرة هي: الشرك في عبادة الله؛ من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم؛ من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم؛ من اعتقد أن غير هدي النبي أكمل من هديه وأن حكم غيره أحسن من حكمه؛ من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ولو عمل به؛ من استهزأ بشي من دين الرسول أو ثوابه أو عقابه؛ السحر؛ مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين؛ من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى؛ الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به.
في حين يصرّ بعض رجال الدين على أن هناك درجات للكفر، وأن مرتكب الذنب لايصبح كافراً بالضرورة من خلال ارتكاب أفعال معيّنة، يرفض تنظيم الدولة عموماً مسألة التدرّج، ويعتقد أن جميع أعمال الكفر على قدم المساواة بالفعل. وفي السياق نفسه، يؤمن التنظيم بأن على المسلم واجباً دينياً لتحديد وتسمية الكفار أو المرتدّين، وأن عدم القيام بذلك يمكن أن يجعل المرء نفسه كافراً أو مرتدّاً.
وفقاً لتنظيم الدولة الإسلامية، يصبح المسلم كافراً إذا لم يجاهر بكفر شخص آخر يستحق أن يوصف بأنه كافر. وقد أعلن التنظيم أن الظواهري زعيم القاعدة كافر لأنه يتعاطف مع الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي، الذي قَبِلَ بالديمقراطية. كما تعتبر الدولة الإسلامية أعضاء جبهة النصرة مرتدّين لأنهم يقاتلون إلى جانب جماعات مدعومة من الخارج.
يظهر هذا الرأي وآثاره بشكلٍ واضح وعلى وجه الخصوص بين أتباع حركة في تنظيم الدولة معروفة باسم "الحازمية". ويعتقد بعض أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية على الأقل أن بعض تعاليم الحازمية تجيز لهم قتل وسرقة المسلمين الذين ارتكبوا أي درجة من درجات الكفر، ماقد يعني معظم السكان الذين يخضعون إلى سيطرتهم. وقد أساء الحازمية تفسير فتوى أصدرها رجل الدين السعودي عمر بن أحمد الحازمي، الذي يُعرف أيضاً باعتباره أحد أفراد جيل الصحوة الذي دمج الأفكار الإسلامية بالمفاهيم السلفية. حرّمت هذه الفتوى التي رجع عنها الحازمي في وقت لاحق، "العذر بالجهل" في مسائل الإيمان، مايوحي بأن المسلم مسؤول عن فعل الكفر حتى لو لم يكن ذلك الشخص ينوي القيام به. وقال الشيخ حسن الدغيّم، وهو رجل دين سوري بارز، في مقابلة: "يقول الحازمية إن الجهل ليس عذراً". وفي كانون الأول/ديسمبر 2014، أنتج تنظيم الدولة الإسلامية شريط فيديو يظهر إعدام أربعة من أعضائه للاشتباه في تطرّفهم، بعد أن تآمروا للتمرّد على التنظيم بسبب عدم تطبيقه الكامل للشريعة.

علماء الجهاد في تنظيم الدولة الإسلامية
يعتمد تنظيم الدولة الإسلامية على كتابات جهادية لمنظّرين يؤيدون موقفه القاضي بشنّ حرب ضدّ من يعتبرهم مسلمين بالاسم فقط. ويلتزم رجال الدين هؤلاء بمجموعة من الأفكار التي تختلف كثيراً عمّا هو سائد، كما ذكر بعضهم صراحة. وعادةً مايستخدم التنظيم مؤلفاتهم لتبرير تكفير الدولة السعودية وحكام المسلمين في أنحاء منطقة الشرق الأوسط، ودعم رفض كل القوى والمؤسّسات الرسمية داخل تلك البلدان. وبسبب العداء بين الدولة الإسلامية والعديد من رجال الدين، غالباً مايقلّل المراقبون من أهمية تأثير هؤلاء المنظّرين على التنظيم.
تشمل المراجع التي يعتمد عليها تنظيم الدولة شيوخاً سعوديين مثل خالد الراشد وناصر الفهد وسليمان بن ناصر العلوان وعمر بن أحمد الحازمي وعلي بن خضر الخضير وحمود بن عقلاء الشعيبي.54 وتشمل المصادر الأخرى منظّرَيْ تنظيم القاعدة أبو محمد المقدسي وعبد القادر بن عبد العزيز.
كان أربعة من هؤلاء الشيوخ (الفهد والعلوان والخضير والشعيبي) جزءاً من شبكة أثّرت بصورة كبيرة على تنظيم القاعدة في المملكة العربية السعودية في أوائل العقد الماضي، وكذلك على الحركة الجهادية العابرة للحدود الوطنية. وقد كتب هؤلاء الشيوخ بإسهاب عن ردّة المملكة العربية السعودية بسبب مساعدتها الولايات المتحدة في تدخّلاتها الإقليمية، خصوصاً خلال حرب الخليج الأولى. بالنسبة إلى تنظيم الدولة، توفر هذه الكتابات الأسس الفقهية اللازمة لحملاته ضد المرتدّين. ومن المفيد لتنظيم الدولة الإسلامية أن هؤلاء الشيوخ تم تدريبهم في الفقه والتعليم الديني (وهو أمر نادر بالنسبة إلى المنظرين الجهاديين) وأنهم يختلفون مع المؤسّسة الدينية في السعودية. ويُقال إن الفهد بايع تنظيم الدولة الإسلامية، ويعتبر التنظيم كتاب الشعيبي بعدم جواز طلب المساعدة من الكفار مهمّا.
يتم الاقتباس من الخضير والراشد على نطاق واسع في الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية. ويوفّر الخضير على وجه الخصوص للتنظيم نظرة شاملة في كتابته حول واحد من أكثر الجوانب المميّزة لإيديولوجيا الدولة الإسلامية: فهو ينصّ على أن النظم غير الإسلامية وأتباعها غير شرعية وأن الالتزام بتعاليمها أمرٌ فعلاً لايُعذَر. والخضير واضح تماماً في موقفه من النظم التشريعية الحديثة ومن المسلمين الذين ينخرطون فيها. فهو يرى أن المسلمين الذين ينضمّون إلى البرلمان طوعاً كفار. ويعتبر المسلم الذي يقسم يمين الولاء للدستور مرتدّاً، حتى لو كان مرغماً على ذلك، والمسلمين الذين يعارضون الدستور عبر الوسائل الديمقراطية آثمين. وبرأي الخضير، الفكرة القائلة إن المسلمين العاديين قد يجهلون أن مثل هذه الممارسات هي ممارسات غير شرعية وبذلك ينبغي "العذر بالجهل"، هي فكرة غير مقبولة.
يكثُر رجال الدين الذين يأتي تنظيم الدولة الإسلامية على ذكرهم في خطبه من انتقاد الشيعة، إذ يلحّون على أنه لايمكن إيجاد العذر للشيعة العاديين في عقيدتهم. وفي سلسلة من الخطب بعنوان "السيف البتّار على الشيعة الأشرار"، هاجم الراشد الشيعة بلغة صريحة. وبالمثل، كتب الفهد مقالاً حول "مشروعية الإغلاظ على الروافض" يزخر بلغة مسيئة للشيعة ومشوِّهة لسمعتهم.
وقد أثّر أبو محمد المقدسي أيضاً في الدولة الإسلامية، ربما أكثر من أي رجل دين آخر من خارج التنظيم. ولأن المقدسي عارض بشدّة تمدّد التنظيم داخل سورية وانتقد نهجه تجاه الجهاديين الآخرين، ثمّة ميل إلى التقليل من شأن تأثيره الإيديولوجي في التنظيم. وأثّر المقدسي، الذي نشأ في الكويت ودرس في العراق والسعودية في ثمانينيات القرن الماضي، بصورة مباشرة على الزرقاوي مؤسّس تنظيم الدولة الإسلامية، حيث سُجن الاثنان معاً في الأردن بين عامَي 1993 و1999، وبالتالي ساهم بشكلٍ عميق في الإيديولوجيا الشاملة للتنظيم. وقد وصف مؤخراً تأثيره على تنظيم الدولة الإسلامية قائلاً: "أنا شيخهم الذي تعلّموا منه التوحيد".
على الرغم من أن تنظيم الدولة الإسلامية لايروّج علناً لكتب المقدسي، بيد أنه يستشهد بأفكاره لصدّ منتقديه، وتُوزَّع كتبه في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم. كما تضمّن العدد الأول من مجلّة "دابق" الصادرة عن الدولة الإسلامية مقالاً عن كتابات المقدسي. ووصف أحمد أبازيد، الخبير السوري في شؤون الإسلاميين والجهاديين في سورية، كتابات المقدسي قائلاً: "إن لم تكن كتابات المقدسي، خاصة ملّة ابراهيم والكواشف الجليّة، أساس سرطان التكفير واستباحة دماء الشعوب والمجاهدين الذي ينهش الأمة، فما هو إذن؟".
يُعتبر كتاب المقدسي الذي يحمل عنوان "ملّة إبراهيم"، مفيداً على وجه الخصوص لتنظيم الدولة الإسلامية. فالكتاب يطبّق مفهوم الولاء والبراء ليصف مجموعة واسعة من المسلمين الذين يمارسون أفكاراً أو عادات غير إسلامية بأنهم مرتدّون، حتى لو كانت تربطهم صلة قرابة بمن يتّهمهم. وفي كتاب آخر بعنوان "الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية"، يعلن المقدسي أن المملكة العربية السعودية دولة كافرة. ويرى أنه بسبب التخلّي عن حقيقة أن الولاء والبراء يؤدّي إلى الكفر، فإن الكثير من ممارسات المملكة العربية السعودية (مثل النظام المصرفي الربوي والمساعدات الخارجية لغير المسلمين وعضويتها في الأمم المتحدة وتحالفها مع الغرب) تجعلها مرتدّة.
وبالطبع، يمكن تطبيق تعاليم المقدسي بسهولة في جميع المجتمعات الإسلامية التي تلتزم بممارسات يعتبرها تنظيم الدولة غير إسلامية، بما في ذلك العضوية في حزب البعث أو التحالف مع الحكومات الغربية والإقليمية. ومع أن المقدسي ينتقد تنظيم الدولة الإسلامية، على سبيل المثال، إلا أنه أدان تعاون المتمرّدين السوريين مع الحملة الجوية التي تقودها الولايات المتحدة ضد التنظيم باعتباره ردّة.
ثمة منظّر آخر يستشهد به تنظيم الدولة الإسلامية كثيراً هو عبد القادر بن عبد العزيز، المعروف أيضاً باسم سيد إمام الشريف أو الدكتور فضل. وهو جهادي مصري سابق تردّد في الإعلام خطأً بأنه تراجع عن آرائه المتطرّفة بعد خروجه من السجن في أعقاب انتفاضة العام 2011. وكتابه الأكثر تأثيراً هو "الجامع في طلب العلم الشريف". وقد استشهد أبو علي الأنباري، المسؤول الشرعي لتنظيم الدولة الإسلامية، مراراً بالكتاب في محاضراته، مع أنه زعم بأن مؤلّفه تراجع عن آرائه. وقد اقتبس في إحدى المحاضرات الصوتية من عبد العزيز ليوضّح بأن المسلم الذي ينضم إلى البرلمان مرتدّ حتى لو كان ينوي استخدام هذا المنبر للترويج لأجندة دينية. وكان ذلك موجّهاً إلى مفتي السعودية السابق عبد العزيز بن باز، الذي قال إن العضوية في البرلمان تتوقّف على نيّة العضو.
يطبّق تنظيم الدولة الإسلامية هذه الأفكار بشأن المؤسّسات الحديثة والمعايير الديمقراطية لتبرير الحرب على أفراد الجيش وقوات الأمن في البلدان الإسلامية. كما أن التنظيم معتادٌ على تكفير الإسلاميين وكذلك رجال الدين في التيار السائد، الذين يشكّلون جزءاً من المؤسّسات الدينية الرسمية. وأنتج الأنباري، الذي يُعدّ أقدم وأعلى مرجع في تنظيم الدولة الإسلامية حتى وفاته في آذار/مارس 2016، 40 محاضرة رمت إلى شرح إيديولوجيا التنظيم. وتركّزت المحاضرات على عدم شرعية المؤسّسات في البلدان الإسلامية، بما فيها المساجد والمحاكم. وأفرد الأنباري غضباً خاصاً لجمهور الشيعة، والصوفية، والإخوان المسلمين، والسلفيين في التيار السائد (غالباً ما أشار إلى السلفيين باعتبارهم "مرجئة"، وهذا مصطلح تحقيري يُقصَد به المؤسسات الدينية وشيوخ الدين التقليديين بشكلٍ عام). كما خصّ في إحدى محاضراته هؤلاء السلفيين التقليديين باعتبارهم "الأكثر عبثية" بين منتقدي تنظيم الدولة الإسلامية، ماشكّل انعكاساً للمعركة الإيديولوجية الشرسة بين الطرفين منذ صعود التنظيم مؤخراً في سورية والعراق.
رابط الصحوة
ينتمي العديد من رجال الدين الذين يستشهد بهم تنظيم الدولة الإسلامية لتبرير إيديولوجيته المعادية للشيعة، إلى جيل الصحوة أو يرتبطون بتيار الصحوة بطريقة ما، ويشملون: ابراهيم الفارس، ومحسن العواجي، ومحمد البراك، وحمود العمري، ومحمد النجيمي، وسعد الدريهم، ومعاصريهم من مصر وأماكن أخرى، مثل عمر عبد الرحمن الذي يُعرف أحياناً باسم "الشيخ الضرير".
يعبّر رجال الدين هؤلاء عن مواقفهم بصراحة، ولاسيّما ضدّ الشيعة. فقد كتب الفارس، على سبيل المثال، كثيراً عن الشيعة باعتبارهم "رمز الخيانة"، واقتبس في إحدى المرّات عن ابن تيمية قوله: "أصل كل فتنة وبلية هم الشيعة ومن انضوى إليهم، وكثير من السيوف التي سُلَّت في الإسلام إنما كانت من جهتهم". مع ذلك وعلى عكس عقيدة الدولة الإسلامية، يؤكد بعضهم، ولاسيما حمود العمري، على أن العنف ضدّ المدنيين الشيعة غير مقبول، مع أنهم يرون أن الشيعة طائفة منحرفة.
يحتل تركي البنعلي، من البحرين، المركز الثاني بعد أبو علي الأنباري من حيث التأثير في تنظيم الدولة الإسلامية من داخله. ووفقاً لسيرته المنشورة على الإنترنت، البنعلي هو تلميذ سلمان العودة، الشخصية البارزة في تيار الصحوة في المملكة العربية السعودية. يدّعي البنعلي أن علاقة وثيقة كانت تجمعه بسلمان العودة قبل أن يبدأ الأخير بـ"التراجع"، أو يصبح أكثر اعتدالاً. وقد ارتبط البنعلي بحجّاج العجمي، وهو رجل دين كويتي سلفي ناشط ومعروف بأنشطته في جمع التبرعات للجماعات الأصولية المتمرّدة في سورية. كما تأثّر البنعلي بعبد العزيز الطريفي، وهو رجل دين سعودي معروف من جيل الصحوة، اعتقلته السلطات السعودية في نيسان/أبريل 2016 بسبب انتقاده إصلاحات الرياض الدينية المدفوعة من الغرب على مايبدو. ويواصل البنعلي التحدّث بصورة إيجابية عن الطريفي ويمتدح كتاباته.
قبل أن يسافر البنعلي إلى سورية في العام 2013 للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية، كان قد اكتسب صدقيّة باعتباره مفتياً جهادياً من خلال إقامة علاقة وثيقة مع أربعة عشر من رجال الدين المعروفين في المنطقة. في العام 2009، أذن المقدسي له بالتدريس والإفتاء، وهذا ما فعله في منتديات جهادية بارزة تحت الاسم الحركي أبو همام الأثري. يسلّط أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية الضوء على تعاليم وفتاوى البنعلي للتصدّي لمحاولات رجال الدين الآخرين، بمن فيهم المقدسي، التقليل من أهمية ثقله الديني.
على الرغم من ضعف البنعلي في مجال العلوم الدينية، مقارنةً مع بعض رجال الدين، إلا أن أنشطته الجهادية المبكرة تساعد تنظيم الدولة الإسلامية على الادّعاء بأنه جزءٌ من طابور طويل من الفقه الجهادي. وهذا مايجعل البنعلي مفيداً للتنظيم كي يدافع عن نفسه في وجه مزاعم الفصائل الجهادية الأخرى بأن إيديولوجيته ليست عميقة الجذور بالقدر الكافي في الأمور الفقهية. وقد أشار أحد رجال الدين في الدولة الإسلامية إلى أن قبول مرجعية البنعلي قبل حصوله على العضوية في التنظيم هي إما شهادة على صدقيّة التنظيم أو دليل على افتقار منتقدي القاعدة في صفوفه للصدقيّة، نظراً إلى أنهم وافقوا على مؤهّلاته في السابق.
تصدّر البنعلي عملية بناء شرعية أبو بكر البغدادي. وباعتباره كان منتسباً إلى تنظيم القاعدة، فهو في وضع يؤهّله لأن يجذب أنصار هذا الأخير. ويُقال إنه أُرسِل إلى مدينة سرت الليبية في آذار/مارس 2013 وفي العام 2014 لنشر دعوة الدولة الإسلامية وجمع الأنصار من مسجد الرباط. وقد ألّف البنعلي كتيّباً حول أبو بكر البغدادي وأحقيته بالخلافة، يحمل عنوان "مدّ الأيادي لبيعة البغدادي".
يُعدّ البنعلي مهمّاً لتنظيم الدولة الإسلامية أيضاً بسبب خلفيته وآرائه الطائفية. ففي العام 2007، طُرد من دبي، حيث كان يدرُس، ومُنع في وقتٍ لاحق من دخول الكويت، ومصر، وقطر، والبحرين وطنه الأصلي، بسبب أفكار التكفيرية والطائفية. إضافةً إلى ذلك، كان شديد الانتقاد للشيعة وعقيدتهم "الفاسدة"، كما يراها هو وغيره من المنتقدين. وفي تموز/يوليو 2015، هدّد البنعلي بشنّ هجمات ضد مساجد الشيعة في البحرين، في أعقاب التفجيرات الانتحارية التي نفّذها تنظيم الدولة على مساجد الشيعة في الكويت والمملكة العربية السعودية.
يميل البنعلي إلى التركيز على موضوعين أساسيين مركزيّين في إيديولوجيا تنظيم الدولة الإسلامية وهما: نواقض الإسلام والتوحيد. ففي ليبيا، ألقى محاضرات حول نواقض الإسلام، وألّف كتاباً عن التوحيد بهدف استخدامه في معسكرات التدريب التابعة للتنظيم.
وفي حين يستخدم تنظيم الدولة الإسلامية مصطلحات غالباً ماترتبط بالسلفيين أو الوهابيين، يستشهد أيضاً بخطب ومؤلفات لأفراد لاينتمون إلى المؤسسة الدينية التقليدية. على سبيل المثال، ثمة قائمة مقترحة من 196 من المواد المكتوبة والسمعية والبصرية يوزعها أنصار تنظيم الدولة الإسلامية على الأعضاء الجدد، تشمل بأغلبية ساحقة مؤلفات لرجال دين آنفي الذكر. وفي مايتعلق بعقيدة الولاء والبراء، يُنصَح الأعضاء الجدد بمشاهدة خطب رجال دين مرتبطين بتيار الصحوة، ذلك أنهم غالباً مايعلّقون على أفكار علماء الدين الذين يحظون بقبول واسع لدى في صفوف مسلمي التيار السائد.
وبطبيعة الحال، لايعفي تأثير علماء حقبة الصحوة السلفية، ولاسيما بنسختها السعودية، من المساهمة في إضفاء الشرعية على جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية. إذ تغذّي التقاليد السلفية خطاب تنظيم الدولة الإسلامية وتساعده على الارتباط بالإسلام التقليدي. غير أن التنظيم تجاوز هذه التقاليد، وحدثت مواجهة بينه وبين السلفيين التقليديين لأسباب دينية. وقد استخدم المفكرون الدينيون المعاصرون ممن لهم تأثير على الإيديولوجيات الجهادية اليوم العديد من الأفكار المتطرّفة لابن تيمية والوهابية لأغراض سياسية وثورية. واستُخدم مفهوم الولاء والبراء، على سبيل المثال، خلال حقبة الصحوة ليس لاستهداف المسلمين الهراطقة وحسب، بل الغرب أيضاً. وقد أثّرت إعادة التفسير هذه كثيراً على الجهاديين في تسعينيات القرن الماضي.
لايقبل السلفيون التقليديون العديد من ممارسات الدولة الإسلامية. إذ يرفض معظمهم، على سبيل المثال، التفجيرات الانتحارية بحجّة أن الإسلام يحرّم الانتحار بجميع أشكاله. وقد أجاز رجال دين إسلاميون، مثل يوسف القرضاوي، التفجيرات الانتحارية، على الرغم من أنه ذكر في وقت لاحق بأن فتواه كانت خاصة بإسرائيل. ومن ضمن الممارسات التي يرفضها السلفيون التقليديون: التمرّد ضد الحكام واعتبار عوام الشيعة مرتدّين وتفجير المساجد.
تبرير التوحش
يسعى أبرز رجال الدين في الدولة الإسلامية إلى تقديم مبرّرات لوحشية التنظيم، ولاسيما للأعمال المُرتكبة ضدّ إخوانهم المسلمين. لكن بعضهم يقوم بذلك عبر تأجيج مشاعر الكراهية الشمولية والطائفية، بدلاً من تبنّي العنف الذي يمارسه تنظيم الدولة الإسلامية بصورة مباشرة.
خالد الراشد معروفٌ بتعليقاته النارية، والتي كثيراً ماترد في خطب بكائية. فقد روى في إحدى خطبه قصة قطع رأس خالد بن سفيان الهذلي في القرن السابع الميلادي. وفقاً للراشد، طلب النبي محمّد متطوّعاً لقتل الهذلي بسبب تنظيمه هجمات ضد المسلمين، فتطوع عبد الله بن أنيس وقتل الهذلي وثم قطع رأسه. وعندما عاد بالرأس المقطوعة، وفقاً للراشد، أثنى عليه النبي محمّد وكافأه. مع أن هذه الرواية موضع خلاف، إلا أن أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية يروونها بصورة متكرّرة.
يستشهد تنظيم الدولة باثنين من رجال الدين على وجه الخصوص هما أبو عبد الله المهاجر وأبو بكر ناجي، لتبرير وحشيته الدموية ضدّ خصومه. وبسبب المبرّرات التي ساقها الاثنان لعمليات قطع الرؤوس والأساليب القاسية المشابهة، لايستغني التنظيم عن كتاباتهما.
ألّف المهاجر كتاباً بعنوان "مسائل من فقه الجهاد"، وهو الكتاب الذي درسه الزرقاوي مؤسّس تنظيم الدولة، ثم علّمه في أحد المعسكرات الجهادية في هيرات في أفغانستان.
ألّف ناجي – واسمه الحقيقي محمّد حسن خليل الحكيم وهو عضو سابق في الجماعة الإسلامية الجهادية المصرية - كتاب "إدارة التوحش"، والذي ذكر أحد رجال الدين التابعين لتنظيم الدولة الإسلامية أنه يوزّع على نطاق واسع بين أعضاء التنظيم وقادته المحليين. فحوى الكتاب هو التمييز بين الجهاد والمسائل العقائدية الأخرى. إذ قال مؤلّف الكتاب إن الطريقة التي يتم من خلالها تدريس الجهاد "على الورق" تجعل استيعاب معناه الحقيقي صعباً على الشباب، مضيفاً: "ومن مارس الجهاد من قبل علم أن الجهاد ما هو إلا شدّة وغلظة وإرهاب وتشريد وإثخان - أتحدث عن الجهاد والقتال لاعن الإسلام فلا تخلط – وأنه لايمكن أن يستمر القتال وينتقل من مرحلة إلى أخرى إلا إذا كانت مرحلة البداية فيه مرحلة إثخان في العدو وتشريد به".
ليست السطوة الكبيرة التي يمارسها هذان المنظّران على تنظيم الدولة الإسلامية حديثة العهد، ذلك أنهما أثّرا على الزرقاوي كثيراً أيضاً. يبرّر المهاجر وناجي قطع الرؤوس ليس من منطلق أنه جائز شرعاً وحسب، بل لأن الله ورسوله أوصيا بذلك. ويزعمان "أن الإجماع منعقدٌ على إباحة دم الكافر إباحةً مطلق"، وأن مناصرة ومظاهرة الكفار على المسلمين كفر أكبر، مايجعل الشخص كافراً بصورة قاطعة.
سرد القصص والجهاد
من حيث تلقين العقيدة، يتجنّب تنظيم الدولة الإسلامية تعريض الأعضاء الجدد إلى التعاليم غير المستمدّة مباشرةً من كتب الشريعة، ويتم إطلاعهم على النصوص الدينية بصورة حصرية تقريباً، وفقاً لرجال دين تابعين للتنظيم. في المقابل، يمكن للأعضاء القدامى أو القادة دراسة كتب إرشادية مثل كتاب أبي بكر ناجي. ويتّفق قصر قراءات الأعضاء الجدد على النصوص الدينية والقصص التاريخية مع موقف التنظيم بأنه يشكّل امتداداً حقيقياً للإسلام، وليس مجرّد تنظيم له تعاليمه الخاصة.
يُطلع تنظيم الدولة الإسلامية أعضاءه الجدد أيضاً على قصص تعود إلى بدايات التاريخ الإسلامي (في الغالب من الفترة المعروفة باسم حروب الردّة التي أعقبت وفاة النبي محمّد) لتبرير عمليات الذبح والصلب والقتل الجماعي والممارسات الوحشية المشابهة. واستشهد أبو أسعد السمعان، أحد رجال الدين في التنظيم، بقصة صفيّة بنت عبد المطلب، وهي امرأة عايشت النبي محمّد، لتبرير قطع الرؤوس كأسلوب ترهيب. ووفقاً للسمعان، تم فصل النساء المسلمات عن الرجال في المدينة المنورة خلال معركة الخندق ووُضعن في مكان آمن. لكن رجلاً عرّفته القصة بأنه يهودي، تمكن من الصعود إلى المكان الآمن واقترب من النساء. وطلبت صفية من رجل مسنّ أن يقتل المتسلّل، لكنه ردّ بأنه غير قادر على القتال. تمكّنت صفية، التي قاتلت في معركة سابقة، من قتل الرجل وقطعت رأسه وألقت الرأس المقطوعة على مقاتلي العدو لترهيبهم. ويشير أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية أيضاً إلى آيات من القرآن تدعو إلى "ضرب الرقاب" وتكتيكات مماثلة، على الرغم من أن رجال الدين في التيار السائد يؤكّدون على ضرورة أن تُفهم هذه الآيات في سياق المعركة.
يعتمد تنظيم الدولة بصورة كبيرة على قصص وأحداث من التاريخ الإسلامي لأن من شأنها أن تكون أقوى من الاستدلال بالمبادئ الإسلامية، خاصة إذا كانت القصص والأحداث تدعم الآيات القرآنية أو الحديث (الأقوال التي تُنسب إلى النبي). ويستغلّ التنظيم إلى أقصى حدّ ممكن أي نموذج يمكن أن يعثر عليه، ويستعير مما يعتبره رجال الدين المسلمين حوادث معزولة لاينبغي اتّباعها كقواعد. ويستخدم قصصاً ليس بهدف مناقشة فكرة دينية دائماً: فقد يتم تقديمها لمساعدة أفراد التنظيم الذين يعانون صعوبة في ارتكاب أعمال شديدة العنف.
يستشهد التنظيم بقصة القائد الإسلامي خالد بن الوليد، الذي قتل آلاف الأسرى بعد معركة أليس، في مايُعتبر مخالفة لتعاليم الدين الإسلامي. كان بن الوليد أقسم أن يصنع من دم أعدائه نهراً إن سيطر عليهم. وعندما لم يتمكن من العثور على عددٍ كافٍ من الأشخاص لصنع هذا النهر، قتل الأسرى، وأمر بفتح أحد السدود المُقامة على النهر على جثثهم النازفة. ويُشير تنظيم الدولة الإسلامية إلى أن الخليفة الأول أبو بكر، أثنى على بن الوليد بسبب النصر الذي حققه، وأشار إليه النبي محمد باسم "سيف الله المسلول". وعندما يقتل تنظيم الدولة أسراه، يمكنه ببساطة أن يسوق هذه القصة، معتمداً على ما يمكن وصفه بـ"الشريعة الحركية"، أي الأحداث والقصص وليس التعاليم الدينية وحسب.
يطبّق تنظيم الدولة بصورة متعمّدة عقوبات غريبة وشاذّة لصدم المراقبين وتسليط الضوء على حوادث مماثلة في التاريخ الإسلامي، كما فعل أتباع المتطرّف السعودي جهيمان العتيبي في سبعينيات القرن المنصرم. ففي كانون الأول/ديسمبر 2014، على سبيل المثال، ألقى مقاتلو التنظيم رجلاً يبلغ من العمر عشرين عاماً اتُّهم بممارسة المثلية الجنسية، من أعلى مبنى في دير الزور، "كما فعل خليفة المسلمين أبو بكر"، وفقاً لبيانات صادرة عن التنظيم. وتوحي الأحاديث مع الأعضاء الجدد في التنظيم بأن رجال الدين فيه غالباً ماينقّبون في التاريخ الإسلامي بحثاً عن قصص أو أحاديث غامضة لإقناع الأعضاء الجدد وإثبات أن الإسلام الحقيقي غائبٌ عن مجتمعهم. وأوضح عضو التنظيم المثنّى عبد الستار الأمر قائلاً: "عندما تستمع إلى رجال الدين في الدولة [كما يشير أعضاء التنظيم إليه[، تُصدم بحقيقة أن معظم مجتمعاتنا الإسلامية قد انحرفت عن الدين الحنيف. فهي تتبع ديناً اختُرع قبل عقدين، أو أقل من ذلك".
قد يواجه رجال الدين في التيار السائد صعوبات في التعامل مع قصص العنف الشديد التي يعتمد عليها تنظيم الدولة الإسلامية. وهم يحجمون عادةً عن رواية قصص مشابهة في الأماكن العامة، مايفسح المجال أمام تنظيم الدولة الإسلامية لصياغة هذه القصص كي تتناسب مع خطابه. وعلاوةً على ذلك، غالباً مايجد رجال الدين في التيار السائد أنفسهم عاجزين عن الدخول في مناقشات حول هذه القصص من دون المخاطرة بأن يؤدّي ذلك إلى تداعيات طائفية. على سبيل المثال، من شأن انتقاد خالد بن الوليد، الذي يكرهه الشيعة لكنه يحظى بقدرٍ كبيرٍ من الاحترام في صفوف السنّة، أن يضع رجل الدين في موقف حرج يتمثل في تبرئة أفراد الطائفة الأخرى.
خاتمة
بغضّ النظر عما سيؤول إليه حال تنظيم الدولة الإسلامية على الصعيد العسكري في الأشهر والسنوات المقبلة، لاتزال إيديولوجيته تشكّل تحدّياً طويل الأمد. فهو يعبّر عن مشكلة أوسع نطاقاً تم تجاهلها إلى حدّ كبير وهي: عملية تغيير تاريخية وعشوائية للسلفية التقليدية تؤدّي إلى نشوء حركات جديدة تنبثق من السلفية والإسلاموية. وإلى أن يتم الإقرار بوجود تأثير متبادل بين الأفكار السلفية والإسلاموية، سيتواصل تشخيص إيديولوجيا تنظيم الدولة الإسلامية بصورة خاطئة. فتركيز هذا التنظيم على التعاليم الدينية الإسلامية في خطابه العام يحجب طبيعته الثورية ويخلق توهّماً بإمكانية عزو إيديولوجيته إلى السلفية وليس إلى التقاء الفرعين الأصولي والثوري فيها في العقود الأخيرة.
لقد صُوِّر الدور المركزي الذي تضطلع به الأفكار الإسلامية على أفضل وجه في مقولة شهيرة في صفوف أنصار تنظيم الدولة الإسلامية، وتُنسب إلى الصحافي اليمني عبد الإله شائع: "الدولة الإسلامية كتبها سيد قطب، درّسها عبد الله عزام، عولمها أسامة بن لادن، نقلها إلى الواقع الزرقاوي، نفّذها البغداديان أبو عمر وأبو بكر".
أضاف تنظيم الدولة الإسلامية التركيز على الطائفية إلى سجلّ حافل بالآراء المتطرّفة. فقد ربط نفسه، على وجه الخصوص، بالحركة السلفية الجهادية التي انبثقت من الجهاد الأفغاني، ماساعد التنظيم في تأصيل نفسه داخل السلفية، وجعله أقل عرضة إلى السخرية أو اتهامه بالانحراف. إذ بات الجهاد الطائفي الذي يمارسه تنظيم الدولة مُزدهراً في المناخ الإقليمي الراهن. وتساعد جملة من العوامل تنظيم الدولة الإسلامية على الصمود واستمالة وتجنيد الأعضاء الجدد، من ضمنها: الاستقطاب الطائفي، وبروز الميليشيات الطائفية على نحو مماثل في العراق وسورية وخارجهما؛ وغياب القيادة الدينية والسياسية. يُضاف إلى ذلك أن الخطب السياسية ووسائل الإعلام الطائفية تواصل إذكاء الكراهية الطائفية، مايصبّ في صالح تنظيم الدولة الإسلامية.
في غضون ذلك، لاتلقى الرسائل التي يوجهها رجال الدين في التيار السائد إلى التنظيم صدى واسعاً عموماً بسبب علاقاتهم بالأنظمة السلطوية. فقد جرى إضعاف المؤسّسات المعتدلة في أعقاب الانتفاضات العربية في العام 2011، عندما اعتُبرت المؤسّسات الدينية متواطئة مع الأنظمة القمعية وعاجزة عن تلبية تطلّعات الشباب الثوري. وسرعان ماملأ تنظيم الدولة الإسلامية وسائر المجموعات الفراغ الناجم عن ذلك، ويبدو أن التنظيم في صدد تحويل تعاليمه التي يكتنفها الغموض إلى مدرسة معترف بها في التطرّف، على غرار تنظيم القاعدة على مرّ السنين، لكن يُحتمل أن تمارس تأثيراً أكبر.





حسن حسن _ مركز كارنيغي للشرق الأوسط


2016-07-05

القائمة الرئيسية
دراســـــات وبحــــــوث
الحوار الوطني العراقي
مــــقالات
مواقف وبيانات
ثقافة وفنــون
البوم الموقـع
عروض كتـب
معطيات جغرافية
مــدن عـراقيـــــة
موجز تأريخ العراق
English articles
النفط العراقي
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة باسم - دار بابل للدراسات والاعلام ©