الرئيســـــــية اتصــــــــل بنا عن دار بابل البريد الالكتروني  
 
 
 
ترجمــــة أخبــــار خاصـــــة قضــــايا عــراقيــــة حقوق العراق السياسية والانسانية ملــفــات خاصــــة قضايا منوّعة الاخبــــــار
   برلمان العراق يصادق على قرار معاملة الأميركيين بالمثل ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: العراق يطرح سندات بمليار دولار، والضمان أميركي ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: احتياطي العراق الأجنبي يفقد 21 مليار دولار في ثلاث سنوات ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيف تم قتل 1000 جندي امريكي في السجون الكورية بدون اطلاق رصاصة واحدة ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيسنجر وشبح الفوضى في الشرق الأوسط ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: موسكو: “داعش” يصنِّع أسلحة كيميائية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: إنها أكبر... إنها أخطر ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: روسيا توسع قاعدة المشاركة لتخفيف العبء على السعودية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: «الناتو»: الساحل السوري ثالث قبّة محصّنة لروسيا في العالم! ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: الاعتقال العشوائي في العراق: أرقام مرعبة :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::  
 
مدن عراقية  

بغداد إقليم الظرفاء ومنبع العلماء ومختار الخلفاء



لعل أبرز ما ذكره المسعودي في هذا الشأن قوله: (واما العراق فمنار الشرق، وسرة الارض وقلبها، اليه تحادرت المياه، وبه اتصلت النضارة، وعنده وقف الاعتدال، فصفت أمزجة أهله.. وقلب الارض العراق، وهو المجتبي في قديم الزمان، وهو مفتاح الشرق ومسلك النور، ومسرح العينين، ومدنه المدائن وما والاها، ولاهله أعدل الالوان، وأنقي الروائح.. وفضائله كثيرة لصفاء جوهرة، وطيب نسيمه، واعتدال تربته، واغداق الماء عليه ورفاهية العيش به) "22". وقال في وصف السواد، وهو الاسم الذي أطلق علي رساتيق العراق وضياعها، حيث سميت كذلك لسوادها بالزرع والنخيل والاشجار لان العرب اذا خرجوا من أرضهم وظهرت خضرة الزرع والاشجار يسمونها سواداً.. وجمع الله في أرضه من مرافق الخيرات وما يوجد فيها من غضارة العيش، وخصب المحل، وطيب المستقر وسعة ميرها من أطعمتها وأوديتها وعطرها ولطيف صناعتها، وكانوا يشبهون السواد بالقلب وسائر الدنيا بالبدن، وانما شبهوه بذلك لان الآراء تشعبت عن أهله بصحة الفكر والرؤية كما تتشعب عن القلب بدقائق العلوم ولطائف الآداب والاحكام وخصب بلاد العراق بسهولة لا عوائق فيها، ولا شوائق تشينها، ولا مفاوز موحشة، ولا برار منقطعة عن تواصل العمار، وكانت الانهار المطردة من رساتيقها وبين قراها، وتكاثف عمارتها وكثرة أنواع غلاتها وثمارها، والتفاف أشجارها وعذوبة مائها، وصفاء هوائها وطيب تربتها، مع اعتدال طينتها، وتوسط مزاجها وكثرة أجناس الطير والصيد في ظلال أشجارها من طائر بجناح وماش علي ظلف وسابح في بحر، قد أمنت مما تخافه البلدان من غارات الاعداء وبوائق المخالفين مع ما خصت به من الرافدين دجلة والفرات اذ قد اكتنفاها لا ينقطعان شتاء ولا صيفاً علي بعد منافعهما في غيرها فأنه لا ينتفع منهما بكثرة فائدة حتي لا يدخلاها فتسيح مياههما في جنباتها وتنبطح في رساتيقها، فيأخذون صفوه هنيئاً ويرسل كدره وآجنه الي البحر لا لانهما يشتغلان عن جميع الاراضي التي يمران بها ولا ينتفع بهما في غير السواد الا بالدوالي بمشقة وعناء بخلاف أرض العراق لان بها يقران قرارهما ويسقيان بساتينها وتسيح في رساتبقها وحدائقها) "23".
وقال ابن الفقيه الهمداني "ت، 365 هـ" عن اقليم العراق ما نصه: (فان هذا الاقليم وسط الاقاليم السبعة والمعتدل، ذلك الموضع الذي تنقسم أزمانه أربعة أقسام فلا تخرج فيه من شتاء الي صيف حتي يمر بنا فصل الربيع، ولا تخرج منه من صيف الي شتاء حتي يمر بنا فصل الخريف، وكان بهذا الاقليم فضيلة ان أكثر اموال المملكة تجبي منه لفضل عمارته، وخيره من غير ان يحتاج له من النفقة الا الي الجزء اليسير من ارتفاعه، وغيره من الاقاليم، وما احتاج اليه ان ينوبه غيره ويقوم به سواه فيكون عاماً..) "24".
ووصف ذورتيوس العراق القديم، فقال: (اني وطنت بلاداً كثيرة حتي انتهيت الي البلاد العامرة ذات الارباب الكثيرة، ومصب الفرات، وهي أرض بابل ذات الابنية المنيعة والقصور المشيدة) "25".

أوسط الأقاليم وأعمرها
وقال المقدسي "ت، 380 هـ" عن العراق: (هذا اقليم الظرفاء، ومنبع العلماء، لطيف الماء، عجيب الهواء، ومختار الخلفاء، أخرج أبا حنيفة فقيه الفقهاء، وسفيان سيد القراء، ومنه كان أبو عبيدة والفراء، وأبو عمرو صاحب القراء، وحمزة، والكسائي، وكل فقيه ومقرئ وأديب، وسري، وحكيم، وداه، وزاهد، ونجيب، وظريف، ولبيب، به مولد ابراهيم الخليل، واليه رحل كل صحابي جليل أليس به البصرة التي قوبلت بالدنيا، وبغداد الممدوحة في الوري، والكوفة الجليلة، وسامراء، ونهره من الجنة بلا مراء، وتمور البصرة لا تنسي، ومفاخره كثيرة لا تحصي وبحر الصين يمس طرفه الاقصي والبادية الي جانبه كما تري، والفرات بقربه من حيث جري) "26".
وقال الخطيب البغدادي "ت، 463 هـ" عن العراق: (ذكر علماء الاوائل ان اقاليم الارض سبعة، وان الهند رسمتها فجعلت صفة الاقاليم كأنها حلقة مستديرة يكتنفها ست دوائر علي هذه الصفة، كل دائرة منها اقليم من الاقاليم الستة الدائرة الوسطي هي اقليم بابل، والدوائر الست المحدقة بالدائرة الوسطي.... والاقليم الرابع اقليم بابل وهو الممثل بالدائرة الوسطي التي اكتنفتها سائر الدوائر، وهو أوسط الاقاليم وأعمرها... وفيه العراق الذي هو سرة الدنيا... فالاقليم الرابع الذي فيه العراق وفي العراق بغداد، هو صفوة الأرض ووسطها لا يلحق من فيه عيب سرف ولا تقصير) "27".
وكان سبكتكين المعروف بالحاجب الاكبر، قد قال لابي القاسم بزياش بن الحسن ما نصه: (قد سافرت الاسفار الطويلة فأي بلد وجدنا أطيب وأفضل ؟.. فقلت له: ايها الحاجب اذا خرجت من العراق فالدنـيا كلها رستاق) "28".
وروي أبو القاسم عبيد الله بن علي الرقي - وكان أحد الادباء حيث قال: (أخذ أبو العلاء المعري، وهو ببغداد يوماً يدي فغمزها ثم قال لي: يا أبا القاسم هذا بلد عظيم، لا يأتي عليك يوم وأنت به الا رأيت فيه من أهل الفضل من لم تره فيما تقدم) "29". واكد الامام الغزالي "ت، 505 هـ" ان الكسب من مال العراق يورث البركة والخير الوفير، وقال في حديثه عن سفره من بغداد الي الشام ما نصه: (.. فارقت بغداد وفرقت ما كان معي من المال ولم أدخر الا قدر الكفاف وقوت الاطفال ترخصاً بأن مال العراق مرصد للمصالح لكونه وقفا علي المسلمين، فلم أر في العالم مالا يأخذ العالم لعياله أصلح منه) "30".
وقال ياقوت الحموي "ت، 626 هـ" عن العراق: (والعراق اعدل أرض الله هواء وأصحها مزاجاً وماء.. وليس بالعراق صواعق كصواعق تهامة، ولا دماميل كدماميل الجزيرة، ولا جرب كجرب الزنج، ولا طواعين كطواعين الشام.. ولا كزلازل سيراف، ولا كجرارات الاحواز، ولا كافاعي سجستان، وثعابين مصر، وعقارب نصيبين)، وقال ايضاً: (واقليم بابل موضع اليتيمة من العقد وواسطة القلادة ومكان اللبنة من المرأة الحسناء، والمحة من البيضة والنقطة من البركاء) "31".
وقال الحميري "ت، 727 هـ" عن العراق: (انه وسط الدنيا، ومستقر المماليك - الجاهلية، والاسلامية - وعين الدنيا، وفيه دجلة والفرات، وهما الرافدان وفيه القواعد العظيمة، والاعمال الشريفة) "32".
وكتب اهل العراق الي مصقلة بن هبيرة الشيباني عندما غادر العراق الي الشام تاركا الخليفة علي بن أبي طالب "رضي الله عنه" ومنضما الي معاوية بن أبي سفيان حيث قالوا له: (ولعمرنا ما استبدلت الشام بالعراق... فأرجع الي مصرك... واعلم ان رجعتك اليـوم خير منها غداً) "33".
وروي عن الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان انه ذكر روح بن زنباغ فمدحه فقال: (جمع أبو زرعة فقه الحجاز، ودهاء العراق، وطاعة الشام) "34"
وفي رواية ان عبد الملك بن مروان قال عنه: (ان أبا زرعة شامي الطاعة، عراقي الخط، حجازي الفقه) "35".
وقال الحجاج بن يوسف الثقفي لايوب بن القرية: (اخبرني عما أسألك عنه، قال: سلني ما شئت، قال: اخبرني عن أهل العراق، قال: أعلم الناس بحق وباطل) "36".

ما ورد في القرآن الكريم
أولاً: وصف الله تعالي لاهل العراق بالبأس الشديد:
ذكر رب العزة والجلالة اهل العراق في القرآن الكريم، عندما وصفهم بالبأس والشدة ومن يصفه الله تعالي بذلك، فان هذا الوصف ينطبق علي حقيقة مكانة الموصوف لانه تعالي اعلم بما يصف واحق بما يقول، قال تعالي: "وَقَضَيْنَا إِلَي بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا، إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا، عَسَي رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا" "37"، وهنا يمكن ان نتلمس من هذه الآيات الكريمة وهي المعاني التالية:
1 - وصف الله تعالي اهل العراق الذين قادهم نبوخذ نصر في حملته علي بيت المقدس، "عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ" حيث وصفهم تعالي بأدق معاني الوصف للرجولة والشدة، قال ابن كثير: (اي سلطنا عليكم جنداً من خلقنا اولي بأس شديد اي قوة وعدة وعدد وسلطنة شديدة "َجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ" اي تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم اي بينها ووسطها وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون احداً وكان وعد مفعولاً...) "38".
2 - اخبر الله تعالي بان بني اسرائيل يفسدون في الارض مرتين قال تعالي "لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ" ولافساد بمعناه الشمولي الواسع والمتنوع ولعل اسوأه ما ذكره ابن كثير بقوله: (... انهم لما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوهم.. فانهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلفاء من الانبياء والعلماء...) "39"، وهذا هو الأفساد علي الذي قاموا به، حيث انتقم الله تعالي منهم علي هذا الافساد علي ايدي العراقيين، وهنا اثار الي هذا الافساد الاول بقوله تعالي: "... فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا..."، واخبر الله تعالي بانهم سوف يفسدون في الارض فساداً شاملاً مرة اخري من خلال قوله تعالي: "... َإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ" اي موعد عقوبة الافساد الثاني منهم.
3 - اخبر الله تعالي ان الانتقام من بني اسرائيل في الافساد الثاني سيكون علي ايدي اولئك العباد الذين انتقم بهم منهم في افسادهم الاول، قال تعالي: "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا..." الي قوله تعالي: "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ..."، فالعطف هذا علي المعني الاول.
4 - اخبر الله تعالي واعداً بدخول عباده اولي البأس الشديد الذين دخلوا بيت المقدس في المرة الاولي، سيدخلوه في المرة الثانية كما دخلوه اول مرة، وان الله تعالي بوعده الصادق يؤكد علي دخول العراقيين الي بيت المقدس، وهذا قدر اخر من قدر الله تعالي في اهل العراق، وحكمة من حكمه فيهم، وانهم سيدمرون اليهود في المرة الثانية كما دمروهم في المرة الاولي، قال تعالي: "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ" اي الكرة الاخري، أي اذا افسدتم في الكرة الثانية وجاء اعداؤكم: "لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ" اي ليهونوكم ويقهروكم، وليدخلوا المسجد اي بيت المقدس "كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ" اي في التي جاسوا فيها خلال الديار "وَلِيُتَبِّرُوا" اي يدمروا ويخربوا "مَا عَلَوْا" اي ما ظهروا عليه "تَتْبِيرًا" اي تدميراً "40". ثانياً: اقتران الايمان النافع بأهل نينوي من العراقيين: وصف الله تعالي اهل العراق بأهل الايمان النافع، قال تعالي: "فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَي حِينٍ" "41"، فقد اشار الله تعالي الي حقيقة ايمانهم، وصدق هذا الايمان في قلوبهم بحيث نفعهم ذلك الايمان ودفع عنهم البلاء، ولنا في التاريخ شواهد كثيرة لامم واقوام تابوا الي الله تعالي عما اقترفوه من آثام وخطايا الا ان الله تعالي لم يقبل توبتهم بل عاقبهم عقاباً شديداً، ذلك لان صدق التوبة تقترن مع صدق الايمان، فصدق الايمان هو المنجي لأية امة وقوم، ولذلك ضرب الله تعالي المثل بصدق الايمان عند اهل نينوي من العراقيين وقرن ايمانهم بالايمان النافع.
ثالثاً: الله تعالي... ينزل ملائكته في مدينة بابل:
قال تعالي: "... وَمَا أُنزِلَ عَلَي الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ... إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ،وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ..." "42".
قال الطبري "ت، 310 هـ": (ذلك ببابل العراق، وروي عن ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها قولها في قصة ذكرتها عن امرأة قدمت المدينة، فذكرت انها صارت في العراق ببابل)، وروي ان هاروت وماروت كانا ملكين من الملائكة، فاهبطا ليحكما بين الناس وذلك ان الملائكة سخروا من احكام بني آدم، قال الطبري: (ان الله جل ثناؤه عرف عباده جميع ما امرهم به، وجميع ما نهاهم عنه، ثم امرهم ونهاهم بعد العلم منهم ما يأمرون به، وينهون عنه، ولو كان الامر علي غير ذلك لما كان للامر والنهي معني مفهوم، فالسحر مما فقد نهي عباده من بني آدم عنه، فغير منكر ان يكون جل ثناؤهم علمه الملكين اللذين سماهما في تنزيله، وجعلهما فتنة لعباده من بني آدم، كما اخبر عنهما انهما يقولان لمن يتعلم ذلك منهما: "انما نحن فتنة فلا تكفر" ليختبر بها عباده الذين نهاهم عن التفريق بين المرء وزوجته، وعن السحر فيمحص المؤمن بتركه التعلم منها، ويخزي الكافر بتعلمه السحر والكفر منهما، ويكون الملكان في تعليمهما من علما ذلك، لله مطيعين، وقد عبد من دون الله جماعة من اولياء الله، فلم يكن ذلك لهم ضائراً، اذ لم يكن ذلك بامرهم اياهم به، بل عبد بعضهم، والمعبود عنه ناه، فكذلك المكان غير ضائرهما سحر من سحر ممن تعلم ذلك منهما، بعد نهيهما اياه عنه، وعظتهما له بقولهما: (انما نحن فتنة فلا تكفر، اذ كانا قد اديا ما امرا به بقبولهما ذلك) "43".
ما ورد بحق العراقيين عن الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم
وردت احاديث نبوية شريفة، ومرويات عن رسول الله صلي الله عليه وسلم تتعلق بالعراق واهله، فيروي عن معاذ بن جبل "رضي الله عنه" قوله: (بينما كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: اللهم بارك لنا في صاعنا ومدننا وفي شامنا وفي يمننا، وفي حجازنا، قام اليه رجل فقال: يا رسول الله وفي عراقنا... فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: امن العراق انت ؟ قال: نعم، قال: ان ابي ابراهيم عليه السلام هم ان يدعو عليهم فاوحي الله تعالي اليه لا تفعل، فاني جعلت خزائن علمي فيهم واسكنت الرحمة في قلوبهم) "44".
وفي حديث يروي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قوله: (الشام بلد الكرماء، والعراق بلد النجباء) "45".
وقد تنبأ رسول الله صلي الله عليه وسلم ببناء مدينة بغداد، وذلك فيما روي الخطيب البغدادي، في حديثه عن الصحابي الجليل جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال: (سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول تبني مدينة بين نهر يقال له دجلة، ونهر يقال له دجيل، ونهر يقال له الصراة يجتمع فيها ملوك أهل الأرض... وخزائن أهل الأرض لهي اشد رسوخاً في الأرض من السكة الحديد) "46".
وقال الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم: (انزل الله من الجنة الارض خمـــــــسة انهار... ودجلة والفرات وهما نهرا العراق.. انزلها الله تعالي من عين واحدة من عيون الجنة من اسفل درجــــــة من درجاتها علي جناحي جـــــــــبريل، فاستودعها الجبال واجراها في الارض، وجعل فيها منافع للناس في اصناف معايشتهم)، فذلك قوله تعالي: "وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ..." "47".
ويمكــــــن ادراك حقيقة الموقف المشرف الذي وقفه احد العراقيين من الرسول الكريم محمد صلي الله عليه وسلم في ازمته مع اهل الطائف، بعد ان اغروا به سفهاؤهم وعبيدهم لسبه وشتمه، والصياح به، وكان الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم في موقفه الصعب يقول: (اللهم اليكم اشكو ضعف قــوتي، وهواني علي الناس يا ارحم الراحمين...) ثم لجأ الي ظل كرمة..
فذهب اليه عداس العراقي من اهل نينوي، وفي يده طبق عنب، فأكل منه الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم، ثم نظر الي عداس، فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: (ومن اهل اي بلد انت يا عداس، وما دينك ؟ قال: نصراني، وانا رجل من اهل نينوي، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن متي ؟ فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متي ؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ذلك اخي كان نبياً وانا نبي ؟ فأكبَّ عداس علي رسول الله صلي الله عليه وسلم يقبل راسه ويديه وقدميه...) "48".
ويفتخر الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم بالقبائل العربية في العراق ولاسيما قبيلة شيبان التي انتصرت علي الفرس في معركة ذي قار، في العراق حيث فرح الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم وصحابته الكرام بهذا النصر العراقي علي العجم، وقال صلي الله عليه وسلم حديثه المشهور الذي جاء فيه: (هذا اول يوم فض الله فيه جنود الفرس بفوارس من بني ذهل بن شيبان)، وفي رواية انه قال: (هذا يوم انتصف به العرب من العجم وبي نصروا) "49".

الصحابة الكرام والتابعون
اكدت النصوص التاريخية علي عظم مكانة العراق عند الخليفة الراشد عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" ومن خلال استعراض تلك النصوص يمكن ان ندرك هذه الحقيقة، فيروي انه في سنة 14 هـ/ 635 م، اراد عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" من القبائل العربية التي تكامل جمعها ان تتجه جميعاً نحو العراق لتحريره من الاعاجم، غير انهم ابوا الا الشام، وابي الا العراق، فامضي نصفهم الي الشام، وامضي النصف الاخر نحو العراق "50"، وفي رواية انه خاطب المقاتلين العرب قائلاً لهم: (اي الوجوه احب اليكم ؟ قالوا: الشام، فان اسلافنا بها، فقال بها العراق) "51"، وخاطب قبيلة النخع بقوله: (ان الشرف فيكم يا معشر النخع لمتربع سيروا مع سعد، فنزعوا الي الشام، وابي الا العراق) "52".
وبعد اصرار الخليفة عمر "رضي الله عنه" علي تحرير العراق من الفرس، قرر ان يتجه بنفسه لقيادة الجيش لتحرير العراق، فعزم عليه الصحابة ان لا يترك المدينة المنورة، ولذلك اختار سعد بن ابي وقاص لقيادة الجيش العربي المتوجه لتحرير العراق، فتم له ذلك في اعقاب واقعة القادسية، وكان قد عقد اجتماعاً مع الصحابة الكرام بعد وصول الاخبار بتجمع الفرس في نهاوند عام 21 هـ/641 م، وكان الاجتماع في مقره بالمدينة المنورة، فقال لهم: (اشيروا علي برجل اوليه ذلك الثغر، فقالوا: انت افضل رأياً واحسن مقدرة، فقال: اشيروا علي به، واجعلوه عراقياً، قالوا: يا أمير المؤمنين انت اعلم بأهل العراق، وجندك قد وفدوا عليك ورأيتهم وكلمتهم، فقال: اما والله لأولين امرهم رجلاً ليكونن لاول إلا سنة اذا لقيها غداً، فقيل: من يا أمير المؤمنين ؟ فقال: النعمان بن مقرن المزني...) "53".
وبعد ان فتح الله للعرب في نهاوند، اعتمد الخليفة عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" علي اهل العراق لتنفيذ العمليات العسكرية بالمشرق، وذلك لادراكه حقيقة اهل العراق، قال الطبري: (امر عمر جيوش العراق بطلب جيوش فارس حيث كانت، وامر بعض من كان بالبصرة من جنود المسلمين وحواليها بالمسير الي ارض فارس، وكرمان، واصبهان، وبعض من كان منهم بناحية الكوفة وما هاتها الي أصبهان واذربيجان والري) "54".
وبعد ان فتح الله البلاد، اراد الخليفة عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" زيارة العراق، حيث كتب فيما روي الي احد حكماء عصره ما نصه: (انا اناس عرب وقد فتح الله علينا البلاد، ونريد ان نتبوأ الارض، ونسكن البلاد والامصار، فصف لي المدن واهويتها ومسكانها وما تؤثره التربة والاهوية في مساكنها، فكتب اليه ذلك الحكيم: (اعلم يا أمير المؤمنين ان الله قد قسم الارض اقساماً.. واعلم يا أمير المؤمنين ان الله تبارك وتعالي قسم الارض اقساماً شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً... فضل بعضها علي بعض فافضل اقسامها العراق، فهو سيد الافاق، وقد سكنه اجيال وامم ذوو كمال) "55". وفي رواية ان الخليفة عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" قال: (اني قد بدا لي ان اطوف علي المسلمين في بلدانهم لانظر في اثارهم، فاشيروا علي وكعب الاحبار في القوم، فقال كعب: بأيها تريد ان نبدأ يا امير المؤمنين ؟ قال: العراق، فقام اليه علي بن ابي طالب فقال: يا أمير المؤمنين والله ان الكوفة للهجرة بعد الهجرة وانها لقبة الاسلام...) "56".
وفي رواية ان الخليفة عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" لما اراد الشخوص الي العراق، حينما بلغه ما عليه الاعاجم من الجمع ببلادهم، سأل كعب الاحبار عن العراق، فقال: (يا أمير المؤمنين ان الله لما خلق الاشياء، ألحق كل شيء بشيء، فقال العقل: انا لاحق بالعراق، فقال العلم وانا معك، فقال: المال وانا لاحق بالشام، فقالت الفتن وانا معك، فقال الخصب وانا لاحق بمصر فقال الذل وانا معك، فقال الفقر انا لاحق بالحجاز فقالت القناعة وانا معك، فقال الشفاء وانا لاحق بالبوادي، فقالت الصحة وانا معك "57"، فاختر لنفسك، فقال عمر، فالعراق اذا، فالعراق اذا) "58".


2011-12-08

القائمة الرئيسية
دراســـــات وبحــــــوث
الحوار الوطني العراقي
مــــقالات
مواقف وبيانات
ثقافة وفنــون
البوم الموقـع
عروض كتـب
معطيات جغرافية
مــدن عـراقيـــــة
موجز تأريخ العراق
English articles
النفط العراقي
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة باسم - دار بابل للدراسات والاعلام ©