الرئيســـــــية اتصــــــــل بنا عن دار بابل البريد الالكتروني  
 
 
 
ترجمــــة أخبــــار خاصـــــة قضــــايا عــراقيــــة حقوق العراق السياسية والانسانية ملــفــات خاصــــة قضايا منوّعة الاخبــــــار
   برلمان العراق يصادق على قرار معاملة الأميركيين بالمثل ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: العراق يطرح سندات بمليار دولار، والضمان أميركي ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: احتياطي العراق الأجنبي يفقد 21 مليار دولار في ثلاث سنوات ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيف تم قتل 1000 جندي امريكي في السجون الكورية بدون اطلاق رصاصة واحدة ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيسنجر وشبح الفوضى في الشرق الأوسط ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: موسكو: “داعش” يصنِّع أسلحة كيميائية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: إنها أكبر... إنها أخطر ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: روسيا توسع قاعدة المشاركة لتخفيف العبء على السعودية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: «الناتو»: الساحل السوري ثالث قبّة محصّنة لروسيا في العالم! ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: الاعتقال العشوائي في العراق: أرقام مرعبة :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::  
 
الحوار الوطني العراقي  

الحوار هو الخطوة الاولى نحو الخلاص الوطني من مأزق الاحتلال




لنتفق بداية على أننا مختلفون على قضايا كثيرة، لكننا بكل تأكيد متفقون على قضايا أخرى أكثر بكثير من تلك التي نختلف حولها، ذلك لأننا نمثل قوى سياسية متعددة لها أهداف وبرامج متغايرة.
فلنبدأ من القضايا المتفق عليها، ونعمل على توسيع نطاقها إلى أقصى حد ممكن، ولنحضر القضايا الخلافية وهي غالباً في التفاصيل ولنعمل على تضييقها إلى أدنى حد ممكن.
هكذا بدأ النقاش وتأسس لصياغة أولويات الخطاب السياسي المعارض للنظام السابق، قبيل إعلان بيان لجنة العمل المشترك للمعارضة العراقية (لعم) في 27/12/1990 في قصر نقابة الصحفيين اللبنانية في بيروت، الذي جاء تتويجاً للقاءات عديدة حققتها الفصائل الأساسية في المعارضة العراقية ابتداءً من عام 1988 بمبادرة ورعاية من قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي.
ونذكّر هنا بالقوى الموقعة على ذلك البيان إجلاءً للحقيقة وتبيان دور كل فصيل من قوى المعارضة العراقية للنظام السابق، ومن هي القوى الطارئة والمفروضة من الخارج والتي دخلت العراق لاحقاً ممتطية دبابات الاحتلال، حتى صار المعارض الحقيقي محرجاً من انتمائه إليها، فقد وقّع على ذلك البيان القوى التالية:-
1- التيار القومي العربي، يمثله (حزب البعث العربي الاشتراكي - قيادة قطر العراق الحركة الاشتراكية العربية، الحزب الاشتراكي الناصري، وعدة شخصيات قومية بارزة لعبت أدواراً هامة في الحياة السياسية العراقية)
2- التيار الإسلامي ويمثله (حزب الدعوة الإسلامية، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، منظمة العمل الإسلامي، وشخصيات إسلامية مستقلة والكتلة الإسلامية)
3- تيار الحركة الكردية ويمثله (الحزب الديمقراطي الكردستاني، الاتحاد الوطني الكردستاني، وخمسة أحزاب كردية صغيرة أخرى)
4- التيار الديمقراطي يمثله (الحزب الشيوعي العراقي، اتحاد الديمقراطيين العراقيين، وشخصيات يسارية مستقلة)
فشكلت هذه القوى مكتب أمانة عامة من خمسة أمناء، وأقرت نظاماً داخلياً لعملها، تحدد بموجبه قبول الأعضاء الجدد بالموافقة الجماعية.
وما إن أذيع بيان لجنة العمل المشترك هذا حتى بدأت تتوالى إلى مكتب الأمانة العامة العديد من طلبات الانتساب من أحزاب وحركات تشكلت على عجل في سباق مع الأحداث التي تلت عملية غزو الكويت، لم يسبق لهذه القيادة والشخصيات أن سجلت أي نشاط معارض، بل إن كثيراً من هذه الأسماء كانت جزءاً من هيكل النظام ومؤسساته الحزبية والأمنية. ثم غيروا ولاءهم عندما تغير المناخ الدولي ضده، وأيقنوا أنه في طريقه إلى السقوط.
وعلى كل فقد سارت هذه المعارضات أو سايرت مسيرة لجنة العمل المشترك ووافق الجميع على المبادئ التي حددها البيان دون زيادة أو نقصان، ولم يكن يهم هؤلاء سوى الإشهار والتسجيل بأنهم معارضون، بانتظار الكعكة التي سيحصلون عليها بعد زوال النظام، دون الاكتراث بالالتزامات التي تفرضها تلك المنطلقات والتي كانت على النحو التالي:
إن قوى المعارضة العراقية مجتمعة لتهيب بأبناء الشعب العراقي وجيشه الباسل في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ بلادنا الذي سيتعين من خلالها بلا شك مستقبله ومصير أبنائه، أن يكون رابط الجأش متهيأً لإنزال الضربة الحاسمة التي ستقطع الطريق على أي احتمال قد يؤدي إلى تعريض استقلال العراق وسيادته إلى أخطار جسيمة وكارثة مهلكة، وتدعوه للعمل على تحقيق الأهداف التالية:-
أولاً- إسقاط النظام الديكتاتوري بإرادة الشعب العراقي وتصفية مخلفاته وإلغاء القوانين الجائرة الصادرة عنه.
ثانياً- إسقاط جميع خطط التآمر الاستعماري الهادفة إلى تمزيق العراق وتفتيت وحدته وتدمير قوته الاقتصادية والعسكرية ومقاومة جميع المشاريع المؤدية لذلك، وبما يعزز ويصون الوحدة الوطنية للشعب العراقي، ويكرس استقلاله شعباً وأرضاً وكياناً.
ثالثاً- تأليف حكومة ائتلافية انتقالية تعقب النظام الحالي تشمل جميع فئات الشعب العراقي بكل قواه السياسية المناهضة للحكم الفاسد، تتولى إنجاز المهام الوطنية، ويعددها البيان باثني عشرة نقطة تتركز على معالجة قضية انتقال السلطة في المرحلة الانتقالية تمهيداً إلى المرحلة الدستورية الدائمة بالطرق السلمية الديمقراطية.
وانطلاقاً من هذه الأهداف دعت الأمانة العامة للجنة العمل المشترك إلى مؤتمر عام لقوى المعارضة العراقية الذي عقد في بيروت بين 11-13/ آذار/1991 ولم يخرج بيانه الختامي عن تلك المبادئ والأهداف، بل أكد على ضرورة الحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعباً وصون استقلاله الوطني ورفض كل المؤامرات التي تنال من سيادته على كامل ترابه الوطني.
ويتضح من خلال هذا السياق أن أزلام أمريكا لم يكن لهم حتى ذلك التاريخ أي تأثير حقيقي في مسيرة المعارضة العراقية، التي بقيت محافظة على خطابها الوطني ورافضة لمشروع الهيمنة الأمريكية على مقدرات العراق، وهو الأمر الذي منعها من إسقاط النظام بعد (عاصفة الصحراء).
لكن التحالف الأمريكي البريطاني الصهيوني لم يقبل بهذا الخطاب الوطني للمعارضة العراقية، وهو ما فتئ يعمل جاهداً للعودة إلى التحكم بمقدرات العراق والسيطرة على ثروته النفطية، وتشديد القبضة على المنطقة كلها من خلاله، وحماية الكيان الصهيوني وفرضه على دول المنطقة ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث شرع بتجنيد العديد من الأشخاص في شتى الاختصاصات ومن أفراد منخرطين أصلاً في بعض أحزاب المعارضة العراقية، بغض النظر عن عناوين هذه الأحزاب وأهدافها المعلنة، لكي يكون لهم دور مؤثر في تزوير إرادة الشعب العراقي بما يخدم مصالح الأجنبي، وما إن ثبّتوا مواقعهم حتى شرعوا بتنفيذ الأجندة الأمريكية الصهيونية، إذ دعا أحمد الجلبي إلى مؤتمر عام للمعارضة العراقية في (فينا) في حزيران عام 1992، قاطعته معظم فصائل المعارضة العراقية عدا الحزبين الكرديين ولفيف من اللاجئين العراقيين المتواجدين في الدول الأوروبية، حضروا إلى المؤتمر بعد أن دفع لهم المذكور أجور الطائرات والإقامة في أفخم فنادق فينا طوال أيام المؤتمر، سمي الجلبي بعده رئيساً للمؤتمر الوطني العراقي.
وكان ذلك أول اختراق أمريكي فعلي للمعارضة العراقية.
وفي محاولة لتصحيح هذا الخلل تنادى عدد من المخلصين، وبمبادرة من السيد مسعود البرزاني، الذي لم يكن راضياً عن هذا المؤتمر حينذاك، وبدعم من قيادة قطر العراق ومكتب الأمانة العامة لـ (لعم) تمت الموافقة على دعوة أطراف المعارضة العراقية إلى لقاء حوار في مدينة صلاح الدين العراقية لتطوير برنامج عمل المعارضة واحتواء مؤتمر فينا، آخذين بعين الاعتبار التطورات التي تلت مؤتمر بيروت، ولاسيما (حرب عاصفة الصحراء) وما جرّته على العراق من كوارث. وتم اللقاء، وتبين أن الأمريكيين قد أعدوا طاقمهم هذه المرة جيداً، فسرعان ما تحول هذا اللقاء إلى مؤتمر عام للمعارضة مكرساً نتائج مؤتمر فينا بزعامة أحمد الجلبي، الأمر الذي رفضه التيار القومي العرابي متمثلاً بلجنة التنسيق القومي الديمقراطي، وسجل انسحابه من المؤتمر لمخالفته مبادئ لجنة العمل المشترك والشروط التي تمت على أساسها الدعوة إلى الحوار في صلاح الدين، ولم يمض وقت حتى لحق بها في هذا الموقف عدد من فصائل المعارضة العراقية تباعاً، حتى لم يبق من المؤتمر الوطني العراقي سوى اسمه الذي احتكره الجلبي لنفسه، وراح يفتح له المقرات في أرقى أحياء لندن وواشنطن وربما في تل أبيب، بعد أن أقر له الكونغرس الأمريكي موازنة مالية معلنة، عدا الأموال غير المعلنة التي تلقاها من المخابرات الأمريكية ومن المنظمات الصهيونية في أمريكا، وعلى كلٍّ فهذه هي الحقيقة وليست تجنياً على أحد، فقد زار المدعو مثال الألوسي عضو قيادة المؤتمر إسرائيل بعد احتلال العراق، الأمر الذي كلفه غالياً فقد قُتِلَ ولداه عندما أرادت المقاومة الوطنية العراقية الاقتصاص من ذلك الخائن.
ورغم هذه التطورات التي حصلت في مسيرة المعارضة العراقية آنذاك لم تتوقف قيادة قطر العراق عن بذل جهود مضنية لتوحيد صفوف المعارضة على الثوابت الوطنية، إيماناً منها بأن الأغلبية في الجانب الآخر هم وطنيون، وأن العملاء ليسوا إلا حفنة من المأجورين تبوّأوا مواقعهم من خلال الدعم الأمريكي الواسع لهم، ساعدهم في ذلك يأس الكثير من الوطنيين عن أمكانية التغيير بدون العامل الخارجي وتحديداً أمريكا ذاتها. وعليه تمت الدعوة إلى المؤتمر التداولي في دمشق عام 1977 بعد انتهاء حرب الحزبين الكرديين، حضره جميع أطراف لجنة العمل المشترك واستبعد عنه أحمد الجلبي ومن كان على شاكلته، لكن هذا المؤتمر لم يتمخض عن أي شيء يذكر، وفشل بعد أن رفض الإسلاميون مشاركة الحزب الشيوعي العراقي رغم توقيعهم معه ميثاق لجنة العمل المشترك، حينها أصبح جلياً أن الاسم السحري لحركة المعارضة العراقية صار يدعى (الجلبي) ثم تكشفت كثير من الحقائق بعد ذلك واتضح أن الخرق الأمريكي بلغ مداه في جسم المعارضة، وإن قرار المعارضة الوطنية أي المعارضة التاريخية لم يعد في يدها وراحت أمريكا تديرها عبر شبكتها التي أتقنت إعدادها، وانطلق هؤلاء معتمدين على اللوبي الصهيوني في الإدارة الأمريكية بتقديم التقادير المزيفة عن وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق، وقد جندوا لذلك الكثير من العراقيين بما في ذلك الطالب الجامعي في جامعة (كامبرج) البريطانية الذي قدم أطروحة تخرج عن نفس الموضوع، سرعان ما تلقفته المخابرات البريطانية لتعتمده حكومتهم كأحد الأدلة القطعية على وجود أسلحة الدمار الشامل.
وهكذا تم غزو العراق واحتلت البلاد، بل تم تدميرها تدميراً شبه كامل وعمت الكارثة وشملت كل شيء حتى متاحف ومكتبات ومعاهد وجامعات العراق ومشافيها لم تسلم من التدمير، (لقد هدد يوماً بوش الأب إنه يستطيع أن يعيد العراق إلى العصر الحجري) وعاد المندوب السامي للاستعمار الجديد أمريكياً هذه المرة، وشرع يصدر القرارات المعدة مسبقاً قبل بدء الحرب بمدة طويلة من قبل عصابة المحافظين الجدد الصهيونية في الإدارة الأمريكية، خدمة لإسرائيل بالدرجة الأولى. فكان أول هذه القرارات حل الجيش العراقي، الجيش الذي ظل يؤرق وجود إسرائيل إذهي عنصر غريب مفروض على الوطن العربي والأمة العربية، وطال التدمير والحل كل مؤسسات ووزارات الدولة العراقية، عدا وزارة النفط التي بقيت سالمة لم يمسها أي أذى فحتى عصابات اللصوص تجنبتها باعتبارها مزرعة للأمريكان، وتوالت القرارات وتوجت بقرار حل حزب البعث العربي الاشتراكي، بذريعة أخطاء وجرائم النظام السابق رغم أن أول ضحايا النظام السابق هم البعثيون أنفسهم، ومتناسياً أن أكبر الجرائم على الإطلاق هي جريمة الاحتلال ذاته. لكن هذه القرارات ينطبق عليها المثل القائل (رب ضارة نافعة) فقد كانت المحرض الأساسي لانطلاق شرارة المقاومة الوطنية العراقية الباسلة بعد الاحتلال بمدة وجيزة، فقد كانت سياسات وممارسات الاحتلال أكبر بكثير من صبر أبناء الشعب العراقي الأماجد على تحمل الضيم، لقد أغلقوا أمامهم كل سبل العيش بكرامة، وأي كرامة تحت نير الاحتلال، وأصبح موت العراقي وهو يقارع المحتلين بشرف أفضل ألف مرة من العيش الذليل.
وبغض النظر عن انتماءات أولئك الأبطال المقاومين للاحتلال لا يسعنا إلا أن نقف أمام تضحياتهم بكل خشوع وإجلال، فهم بدمائهم رفعوا اسم العراقيين في أعلى مراتب المجد.. فويل لأمة لا تقاوم الغزاة المحتلين وتباً لمن رضي حياة الذل.
وهؤلاء المقاومون هم قطعاً ليسوا من الإرهاب في أي تفسير أو تأويل وهؤلاء ليسوا الإرهابيين الغُلاة الذين لا يقدمون أي مشروع سياسي بديل. وليسوا عملاء المخابرات الأجنبية الأمريكية والإسرائيلية ومن يلتقي معهما في المصالح القريبة والبعيدة!، وميليشيات بعض الأحزاب الموالية وعناصرها المنفلتة من عقالها والتي تتحرك بدوافع الحقد والضغينة وتصفية الحسابات، ولا عصابات الجريمة المنظمة وغير المنظمة التي أطلق يدها الاحتلال نفسه.
أرى أن هذه المقدمة التاريخية كانت ضرورية كمدخل للمساهمة في نقاشات الحوار الوطني المطروح على شتى القوى السياسية العراقية، قديمها وحديثها وبكل تصنيفاتها وانتماءاتها وما تمثله من شرائح اجتماعية أو إيديولوجيات علمانية أو دينية، داخل السلطة المتعاونة مع الاحتلال أو القوى الرافضة للتعاون مع الاحتلال والمناهضة لوجوده، ما دمنا كلنا شركاء في هذا الوطن، وهو قدرنا جميعاً، وعلينا إيجاد أفضل السبل للعيش المشترك، وبأن أي طرف لا يستطيع إلغاء الطرف الآخر، ولن يستطيع أن يحد من دوره الذي يفرضه حجمه الطبيعي الموجود عليه وعلى امتداد الساحة العراقية وما يمثله من أهداف شعبية عامة.
وانطلاقاً من أن الحوار هو وحده يُعَدّ الخطوة الأولى نحو الخلاص الوطني من المأزق الذي فرضه علينا الاحتلال، وقبله الإرث الثقيل الذي خلفته لنا الحقبة الديكتاتورية، إن أول مبادئ الحوار هو الاعتراف بالآخر اعترافاً حقيقياً وليس شكلياً أو مزيفاً والابتعاد عن المناورات في صناعة ممثلين مزيفين له. وإن وجود الآخر هو حق دائم ومستمر كما أنت دائم ومستمر، وإن هذا الحق ليس منة من أحد ولا مكرمة يتكرم بها البعض على الآخر، وعلى الجميع أن يعملوا على خلق أجواء الثقة والمصداقية والصراحة، وأن يحرصوا على إتاحة الفرص المتكافئة للجميع مستندين على الاحترام المتبادل والرغبة الحقيقية بالتعاون للوصول إلى الأهداف المشتركة والقواسم المشتركة بحدها الأعلى ولا أقول بحدها الأدنى التي كنا حريصين عليها أيام المعارضة للنظام السابق.
وعليه ننصح قادة الفصائل السياسية الأساسية الذين يديرون العملية السياسية الآن من موقع السلطة (بغض النظر عن الموقف من شرعية هذه السلطة) بإعادة النظر في القرارات الإقصائية التي اتخذت بعد الاحتلال وبسلطته، ممهورة بتوقيع الحاكم المدني، وأولها قرار اجتثاث البعث سيئ الصيت الذي يعني اجتثاث فكر وحركة القومية العربية في العراق حصراً دون غيرها من الحركات القومية الأخرى في التكوين العراقي، لقد كان هذا القرار وما يزال مؤامرة على الأكثرية العربية خدمة للحركة الصهيونية والقوى العالمية التي تدعمها، تجلى ذلك بقانون (إدارة الدولة البريمرية) الذي نص على أن العرب في العراق هم جزء من الأمة العربية وليس العراق ذاته، وبجرة قلم واحدة أرادوا نزع هوية العراق العربية الإسلامية وتهميش ما يقرب من 80% من الشعب العراقي، العرب الذين يمتد وجودهم في العراق منذ أن وجد الإنسان في وادي الرافدين، مع اعتزازنا بحلمنا المحمدي فقد كان العرب مادة الإسلام وأبطال دعوته إلى أربع جهات الأرض انطلاقاً من العراق نفسه. كذلك القرارات التي حل بها الجيش العراقي ومعظم مؤسسات الدولة العراقية. وما هكذا تورد يا سعد الإبل. لا أنكر أن الذي شجعني على هذه المساهمة هي مجمل الدعوات الوطنية المخلصة للحوار الوطني منذ ما بعد الاحتلال، وخاصة دعوة المؤتمر التأسيسي العراقي ومؤتمر القوى المناهضة للاحتلال ومؤتمر القوى الوطنية العراقية الأول، ومقالة الأستاذ فوزي الراوي -الحوار الوطني رأي وملاحظات-.
وتصريحات الأستاذ جلال الطالباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني الأخيرة في عدد من الفضائيات العربية والتي دعا فيها إلى المصالحة الوطنية الحقيقية ودفاعه عن نضال حزب البعث العربي الاشتراكي -قيادة قطر العراق- وعن البعثيين الحقيقيين (وإن كان ذلك أقل ما يمكن أن يرده السيد جلال الطالباني من جميل قيادة قطر العراق عليه وعلى كافة أطراف المعارضة العراقية الأخرى السابقة بدون استثناء) وكذلك التصريحات المعتدلة لعدد من قيادات السلطة وقيادات الأحزاب المشاركة فيها وتوقفهم عن كيل شتى الشتائم إلى البعث عامة والبعثيين بدون استثناء، واكتفاء البعض بالمطالبة بتعقب المسيئين من عناصر النظام السابق وإحالتهم إلى القضاء العادل، ونحن مع هذا الطرح فظلم النظام السابق لم يستثنِ أحداً والبعثيون كما غيرهم مئات بل آلاف الضحايا قضوا على يد أولئك المجرمين. علماً أن المجرمين لا يقتصر وجودهم على عناصر النظام السابق فقط، فقد ارتكب آخرون جرائم لا تقل في بشاعتها عما اقترفه أولئك الجناة وحتى من هم بين صفوف تلك الأحزاب المشاركة في السلطة الحالية تحت ذرائع مختلفة تشبه في بعضها تهم النظام السابق في تصفية خصومه.
إنها في البداية إيجابية نسجلها لكل المخلصين وبأي موقع كانوا، الذين يعملون على إعادة الخطاب الوطني على منطلقاته الأولى، خاصة تلك التي انطلقت مع بيان لجنة العمل المشترك (لعم) الموقع بتاريخ 27/12/1990 المشار إليه آنفاً، ذلك البيان الذي وضع الأسس الثابتة للمشروع الوطني الحقيقي، والذي يتلخص بالحرص على وحدة العراق أرضاً وشعباً وصون وتكريس استقلاله الوطني ورفض كل محاولات الهيمنة أو السيطرة الأجنبية على مقدراته والحفاظ على ثرواته الوطنية لكافة أبنائه دون تمييز، مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن العرق أو الدين أو المذهب كما هي الحال في معظم دول العالم المتحضرة.
هذه المبادئ تصلح لأن تكون منطلقنا في صياغة الأسس الجديدة للميثاق الوطني المقترح، آخذين بعين الاعتبار جملة التطورات الكبيرة التي تلت ذلك البيان، ولاسيما احتلال العراق احتلالاً مباشراً من قبل أمريكا وبريطانيا، وسقوط النظام السابق، وإلغاء وتدمير معظم مؤسسات الدولة العراقية، وليس أجهزة النظام فقط، وانطلاق المقاومة الوطنية ضد الاحتلال وأجهزته، يرافق ذلك بالتوازي انطلاق أعمال إرهابية فاقمت أوضاع البلاد سوءاً مع سوء الاحتلال. كل ذلك يفرض إعادة ترتيب أولويات العمل الوطني استجابة للواقع الجديد على النحو التالي:
1- رفض الاحتلال الأجنبي بكل مظاهره وأشكاله، والعمل على رحيل قوات الاحتلال فوراً وفق جدول زمني واضح ومعلن وبإشراف الأمم المتحدة، وإلغاء كل القوانين والقرارات الصادرة عن إدارته.
2- إقرار مبدأ حق الشعب العراقي بمقاومة الاحتلال بكل السبل والوسائل المشروعة التي تقرها الشرعة الدولية.
3- التمسك بوحدة العراق أرضاً وشعباً، وصون استقلاله الوطني ورفض المشاريع التقسيمية.
4- إقرار مبدأ الديمقراطية والانتخابات الحرة المباشرة وتداول السلطة سلمياً والعمل على توفير كل الظروف الملائمة لنجاحها، ورفض مبدأ المحاصصات الطائفية والعرقية، مستندة إلى الإرادة الحرة للشعب العراقي بعد رحيل الاحتلال. ورفض نتائج الانتخابات الماضية التي شرع لها قانون إدارة الدولة المفروض من الحاكم المدني للاحتلال.
5- إقرار أن العراق جزءٌ لا يتجزأ من الأمة العربية ومحيطه الإسلامي.
6- إقرار صيغة الحكم الذاتي لإقليم كردستان العراق في إطار عراق حر ديمقراطي تعددي موحد، والعودة إلى الشعب العراقي بكل مكوناته لتعديل أو تطوير أية صيغة حكم مقترحة أخرى بما لا يمس بوحدة العراق ولا يضر بمكونات الشعب العراقي الأخرى.
إن هذه المساهمة المتواضعة هي رؤيتنا الشخصية لانطلاق الحوار الوطني الشامل وصولاً إلى الحرية والديمقراطية الحقيقية التي انتظرها شعبنا طويلاً، وإن كل محاولات الاستئثار بالسلطة عبر الاستعانة بقوة الاحتلال لن تقودنا إلا إلى مزيد من المآسي التي لن يسلم منها أحد. والله من وراء القصد.


دكتور حامد العبيدي


0000-00-00

القائمة الرئيسية
دراســـــات وبحــــــوث
الحوار الوطني العراقي
مــــقالات
مواقف وبيانات
ثقافة وفنــون
البوم الموقـع
عروض كتـب
معطيات جغرافية
مــدن عـراقيـــــة
موجز تأريخ العراق
English articles
النفط العراقي
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة باسم - دار بابل للدراسات والاعلام ©